محمد خالد - صحافي وكاتب من مصر

هل سمعت عن صحافة نزيهة؟

محمد خالد - صحافي وكاتب من مصر
محمد خالد – صحافي وكاتب من مصر

تَظل مصطلحات كـ”نزاهة الصحافة وحريتها”، شعارات جوفاء تدور بنا في أوهام الماضي، رؤوسنا صُدعت من ترديدها، وسماعها في المحافل الدولية المُتعلقة بالصحافة، أو على لسانِ كبار العائشين بوهم المعايير الثابتة غير المدركين للتغيرات التي طرأت، والاختلافات الحادة بين المُجتمعات، والظروف التي تدور بالمهنة، وهي الظروف المُختلفة من مكان لآخر.. شعارات وإن تأبى عقولنا الإيمان بتحققها فعليًا فإن ألسنتنا ترددها بنوعٍ من الحَسرة؛ تمسكًا بأمل المستقبل، أو محاولة أخيرة لخداع تلك الجماهير التواقة لصحافة مُختلفة!، أو خداع أنفسنا كالساقط في رحى أزمة طاحنة لا منها مفر،  بينما يتمسك بأمل تَغير سينمائي دراماتيكي ينقذه من هول أزمته.

أمل التغير “السينمائي” –وإن أشك في حدوثه بسهولة- يظل واردًا، إلا أن العديد من المعوقات تعترض طريقه، خاصة وأن “نزاهة الصحافة” ضلت طريقها وسط معايير “رأس المال” التي فرضت سياسات تحريرية تُحِدّها المحظورات من كل اتجاه في كثيرٍ جدًا من مؤسساتنا الإعلامية العربية، فسارت “النزاهة” المزعومة سائرة لا ثائرة في طريقٍ من الخطوط الحمراء، والتابوهات التي يُجرَّم المساس بها أو الاقتراب، حتى وإن كانت تلك الخطوط بصورة نسبية تختلف من وسيلة لأخرى، إلا أن مُجرد وجودها لا يؤدي بحالٍ إلى نزاهة صحفية مُكتملة تؤدي لاستدامة إعلامية حقيقية.

وبينما يردد الكثيرون تلك الشعارات الجوفاء، إلا أن أحدًا منهم لا يستطيع أن يقولها ملئ الفم أنه قد وصل لذروة “النزاهة الصحفية”، إما لمعايير شخصية أو لمعايير فرضتها سياستهم التحريرية، فيُصبح مجرد البوح بفكرة صحافة نزيهة وشريفة مُجرد إيقاظًا لجُرحٍ ميت يملؤه إيلام، يُدين المهنية والمصداقية ويُنذر باستدامة زائفة لا تُعبر عن المعايير التي درسناها نظريًا وأكاديميًا وفشلنا منذ اليوم الأول في تطبيقها عمليًا في واقع ممتلئ عن آخره بالتناقضات.

ومع هذا، فإن الصورة ليست قاحلة وقاتمة على هذا النحو المُريع الذي قد يصل لقارئ تلك الكلمات، خاصة مع وجود العديد من المعايير التي يُمكننا من خلالها التصدي للإشكاليات التي تواجه مهنتينا ونزاهة الصحافة، وصحيح أننا جميعًا نُدرك تلك الحلول، إلا أن عدم توحيد الصف من أجل إدخالها حيز النفاذ على أرض الواقع يحول دون التقدم ولو لخطوة واحدة إلى الأمام، خاصة وأن كثيرًا من تلك الحلول تتعلق بتابوهات المساس بها خطير، مثل العلاقة بين الإعلام ورأس المال والإعلان والسلطة، ومحددات تلك العلاقة التي تحتاج لتقويم، على المستويات كافة، خاصة في مجتمعاتنا النامية.

والعلاقة بين الإعلام ورأس المال تتعلق في الأساس بمهنيتنا الجريحة، وهي علاقة متشعبة ومتوسعة، لا تقف فقط عند حدود الممول أو المعلن والسياسة التحريرية التي تسير عليها وسيلته الإعلامية إذعانا للغة المال والسلطة أيضًا، لكنها تمتد كذلك لحدود العلاقة بين الصحفي والوسيلة الإعلامية التي يتعامل معها، فضلاً عن التحدي الدائم بين ضمائر ترفض التنازل عن ذكر الحقائق نزولاً عند رغبة الممول أو صاحب رأس المال أو السلطة، وبين ضمائر مشوبة بثقوب تعتريها، وتجعل من الحقائق المنقوصة أو المزيفة أحيانًا متاحة باسم المحافظة على الاستمرارية في الوسيلة الإعلامية، ليتحول المُجتمع الصحفي حال تَفشي تلك الضمائر المثقوبة إلى خدعة أكبر مما نتصور، يُمارس فيها الكل طقسًا من طقوس خداع الآخر، وإفشاء قيم لا يرضى عنها لا كاتبها ولا ناشرها ولا أحد سوى الممول أو السلطة.

وعلى سبيل المثال، فبينما ضمير الصحفي الحَي اليقظ يدفعه للاعتراض مثلاً عن إلقاء القبض على صحافيين ومراسلين لإحدى الوسائل الإعلامية الزميلة أو المنافسة، لمجرد خلافها السياسي أو الأيدلوجي مع السلطة، فإن الضمائر المثقوبة تستنكر بقلبها، وبقلمها تدعم قرارات السلطة واتجاهات رأس المال كذلك، فتكون المُحصلة ألا ينطق ببنت شفه على الانتهاكات التي يتعرض لها زميله، ويكون العنوان الزائف آنذاك هو (حرية الصحافة)، بينما الذين تم إلقاء القبض عليهم بما يتعارض مع الحريات التي تتغنى بها السلطات في أي دولة، هم مُجرد “أعداء للوطن”!.

هذه الازدواجية التي تتسبب فيها معايير مختلطة بين رأس المال والسلطة ومبادئ مجتمعية تخلق خطابًا إعلاميًا بعيدًا عن الشارع، كما تخلق رأيًا عامًا “زائف” بينما السخط والكمد في النفوس يتعالى، في جريمة تُمارس في المجتمع، والعنوان الزائف الخادع هو “الحريات المكفولة”، و”نزاهة الصحافة”… هي مصطلحات يجب أن نرثيها سويًا لا أن نحتفل بها في اليوم العالمي لحرية الصحافة، إن لم نكن قادرين فعلاً على توحيد الصف لخلق خطاب إعلامي متوازن ونزيه، يكسر تابوهات رأس المال وتابوهات السلطة، في ثورة ربيع صحفي عربية، أو عبر تشريعات حقيقة ترد اعتبار الصحافة إلى معاييرها الحقيقية.

وتلمست الأمم المتحدة في شعارها المرفوع لاحتفالاتها قبل عامين باليوم العالمي لحرية الصحافة، بعض من سُبل معالجة المشهد الإعلامي من الانحرافات المهنية، فكان الشعار (حرية وسائل الإعلام من أجل مستقبل أفضل)، والذي تم من خلاله مناقشة قضايا محورية منها مبدأ “سيادة القانون” والمتعلق في تقديري بالتشريعات المتعلقة بالإعلام وسُبل دعمها لإرساء معايير الصحافة الجادة، خاصة في الدول النامية، بغية التغلب على الخطوط الحمراء التي يضعها  رأس المال أو الممول أو المعلن والسلطة على الممارسات الصحفية.

المطلوب هو ليس أن يتم إنكار دور المُعلن أو دور رأس المال، على اعتباره دوره محوريًا؛ لكن في الوقت الذي تُعير فيه كثير من المؤسسات اهتمامًا وأولية للمُعلن وجذبه، فاقت اهتمامها بالمحور الرئيسي في هذه المنظومة وهو “القارئ” أو الجمهور، لابد من وقفة حقيقة تُعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، خاصة عقب التَحول الخطير للإعلام لمجرد “سبوبة ارتزاق” للبعض، تخلق تلك الوقفة نوع من التوازن الخلاق –بما لا يضر بالمهنية والمعايير الخاصة بالإعلام- بين الأساسيات الرئيسية في المنظومة الصحفية، لتتوازن المعادلة، بما يضمن الاستدامة للمؤسسات الصحفية عامة.

الخلط بين الأدوار داخل المؤسسات الإعلامية يخلق صورة حية لفوضى ليست فقط فوضى مهنية، لكن فوضى مجتمعية عامة كذلك، المُعلن دوره معروف، وكذلك الممول وأيضًا السلطة، بينما يظل القارئ أو الجمهور هو المحور الرئيسي الذي يلتف حوله الجميع؛ ليقدموا له خدمة إعلامية بمعايير أخلاقية ومهنية.

عن محمد خالد

محمد خالد
صحافي وكاتب من مصر

شاهد أيضاً

طلبات غير مفهومة من الإعلام

يدهشني كآلاف غيري من الصحفيين هجوم عبد الفتاح السيسي على الإعلام، إعلامه لا إعلام الأخوان …

اترك تعليقاً