الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (9): الجسد والموت والخيال

اكتشاف الجسد (9): الجسد والموت والخيال

ما علاقة المرور بتجربة فقد الوالدين باكتشاف الجسد؟ كل العلاقة.

أولًا: وفاة الأم حدثت في مرحلة من حياتي، لم يكتمل فيها تمامًا انفصالي الجسدي عنها، كنت في حضانتها، وكنت أرى فيها صورتي، بينما أكبر باتجاه أن تكون لي صورتي الخاصة ووجودي المستقل. موت أمي المفاجئ أربك هذه العملية، أماتني بمعنًى ما، عطّل نموي، وعطّل التطور الطبيعي لإدراكي لنفسي.

ثانيًا: الجسد تسكنه نفس، واستنزاف هذه النفس في التعامل مع الفقد والموت والحزن والهشاشة، واستحواذ الخوف والقلق عليها، وتحميلها مسؤوليات مبكرة، انعكس كل ذلك على الجسد، وتحمّل هو الآخر ثقل ما يحدث، وبدأ يرى نفسه من خلاله: أنا جسد عجوز ومتعب، أنا جسد غير مهم وذاهب إلى الفناء، أنا جسد متألم ومرتبك، أنا جسد مهمل وغير مرئي. وأحيانًا: أنا غير موجود، وسط ما يغمرني من شعور بالغربة والعدم.

ثالثًا: الترافق بين صورة الجسد السلبية، التي تكوّنت في مرحلة سابقة، وتترسخ بمضي الوقت، وبين الدور الأسري والاجتماعي الجديد الذي اضطررت إلى أن ألعبه، جعلني أفقد صلتي بما أنا عليه، وبما يُفترض بي أن أكون عليه، بحكم المرحلة العمرية التي أنتمي لها. أختاي تكبران لتكونا آنستين جميلتين، وأنا منذ الآن امرأة باهتة، من دون أن أكون امرأة فعلًا، وأم، من دون أن أحمل وألد. جسدي ممتلئ وثقيل كأجساد الأمهات، وملامحي متعبة كملامحهن، ومن الصعب عليّ الآن أن أرى أعمق أو أبعد من ذلك. من الصعب عليّ أن أرى جمالي أو أن أعترف به.

تجنبتُ لعبة التحليل هذه منذ بدأت هذه السلسلة من المقالات، لأنني لا أريد الانشغال بها عن سرد الحقائق وتقريرها كما هي. لديّ قناعة بأن الحقائق الخام أكثر كفاية، وأكثر تحريضًا على التدبّر، وأكثر انفتاحًا على التأويلات. وبرغم ذلك، وجدتُ ضرورة لكسر القاعدة هذه المرة.

بالعودة إلى الحقائق، أقول إنني امتلكت في طفولتي المبكرة خيالًا خصبًا. لا أستدعي ذلك من ذاكرتي المباشرة، وإنما بالاستناد إلى ذاكرة أمي. كنتُ أنسج صورًا وحكايات، من خلال تأمل الظلال على حوائط الغرف شبه المظلمة. كثيرًا ما كانت كائنات الظلال تخيفني، لكني لا أشك في أن بعضها كان يؤنسني ويسليني.

في سنوات طفولتي المتأخرة، كنت أصنع سرديات كاملة لحياة بطلات وأبطال متخيلين تمامًا، وكلما خلوت إلى نفسي، أستأنف قصّ القصة من حيث انتهيت في شرودي السابق. أذكر ندى أنور، إحدى أشهر بطلاتي، لا أذكر تفاصيل قصتها، لكنها امتلكت كلًّا من اسمي وحياتي ومستقبلي، الذي كنت أتمنى الحصول عليه في عالمٍ موازٍ.

تطورت قصصي مع دخولي في مرحلة المراهقة، وظلت شغلي الشاغل في أوقات فراغي، ولم أقلع عنها إلا بعد وفاة أمي. شخصياتي الموازية تلك، كن فتيات أكبر سنًّا مني، يقتربن من السابعة أو الثامنة عشرة. إحداهن تزوجت رجلًا؛ شابًّا صالحًا في مثل سنها، بأقل تكاليف ممكنة، وأنجبت الكثير من الأطفال، الذين استطاعت تحفيظهم القرآن وهم صغار وتصييرهم ملائكة طائعين، بينما هي تستكمل دراستها لعلوم الدين، وتحصل فيها على شهادة تلو شهادة. بطلة أخرى، كانت إلى جانب شدة تقواها شديدة التفوق ونازعة إلى الاستقلالية. سافرت إلى الخارج، لتدرُس ربما، أو لتدعو الناس إلى الدين، أو لتحقق كلا الهدفين. تتنوع سيناريوهات إسلام شابٍّ جميل على يديها، ثم زواجها منه، وطوافهما معًا في العالم كله، لهداية الناس وتعريفهم بجمال الدين وعظمته، دون أن يفوتهما إنجاب الكثير من الأطفال، وهكذا. وبطلة ثانية يسعدها الحظ بأن تلتقي بشيخها الوسيم المفضل، تعجبه، ويتزوجها، ثم أطفال كثيرون، إلى ما لا نهاية.

حضر الموت إلى بيتي مرتين، وأخذ معه هذا النوع من الخيال الذي لم يبدُ أنه سينتهي. بطلاتي لم يعد لهن أسماء أخرى، كلهن لهن اسمي، كلهن لا يفكرن في الزواج، وليست هناك مواصفات لأزواجهن المستقبليين، ربما لأنهن لم يعدن صالحات للزواج، ولم يعدن يرغبن فيه. كلهن لا يردن أن يكن أمهات يومًا ما، ومع الوقت، سيكرهن أن يكن أمهات، وسيمثل لهن إنجاب الأطفال الذي يحدث في العالم كل لحظة، حقيقةً من حقائق الحياة التي يرفضنها ويشمأززن منها، وبالكاد يقبلن أن يتورط فيها نساء أخريات، لا هن.

وفي خلفية ذلك الرفض القاطع للأمومة، هواجس كثيرة ومتشابكة، بعضها يقول: كيف للحياة أن تخرج يومًا من رحم الموت؟ وإن هي خرجت، لماذا آتي بإنسان دون إرادته، وأعرّضه لأهوال الحياة، ثم أموت وأتركه بظهرٍ مكشوفٍ ومنحنٍ؟ لماذا أعاني ويتمزق جسدي ويقترب خطوة من الهلاك، فقط لآتي بمثل هذا الإنسان؟ لأعذبه وأموت عنه؟ لماذا أفعل ذلك بنفسي؟ كل ما أحتاجه، هو أن أحتوي نفسي في الوقت الحاضر، وأن أحاول حماية أحبائي من الموت، وأن أتوقف عن تخيل سيناريوهات للمستقبل، قد يفسدها الموت في أي لحظة.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (19): اقتلني ولا تجعلني أمًّا

أتهلل حين أواعد رجلًا وأسأله السؤال الاعتيادي: هل ترغب في إنجاب الأطفال؟ فيجيب بالنفي، وحبذا …

تعليقات