الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (8): حكاية أحمد ومنى

اكتشاف الجسد (8): حكاية أحمد ومنى

أحمد ومنى، الجيزة، 1986 (الصورة محررة احترامًا للخصوصية)

الغرفة مظلمة وضيقة، ولولا قرب المحفّة من باب الغرفة المفتوح، لما أمكنني أن أرى وجه أبي. لم أرَ في الغرفة إلا وجه أبي، ولم تستمر الرؤية إلا لثوانٍ غادرتُ بعدها في هلع. قالوا لي إن بإمكاني أن أراه للمرة الأخيرة، ولم يكن ذلك الراقد هناك مكشوف الوجه هو أبي الذي أعرفه. قالوا لي إنه أحد أجلى وأحلى الموتى ابتسامًا، ولم أرَ إلا فمًا حزينًا مفغورًا، كان منذ يومين ممرًّا لخراطيم الإنعاش، وهو الآن محشو بالقطن. لو رأوا ابتسامة أبي يومًا، لما تجرأوا على التغزل بهذا المنظر المخيف الذي لا حياة فيه.

ورثت من أبي ذكاءه؛ ذلك النوع من الذكاء الرياضي واللغوي. كان مولعًا بالرياضيات، وقليل الاعتماد في شرحها وحل مسائلها على الورقة والقلم، كان يقول لي: تخيلي، ويرسم أشياء في الهواء. أما اللغة فكانت ميراثه من أبيه، لا يشرح قواعدها الجامدة، بل روح القاعدة، ويستطيع إعطاءك خلاصة كل شيء في دقائق معدودة. كثيرًا ما اختبرني ونحن نستمع إلى برنامج أو نشرة أخبار هنا أو هناك، يسألني عن الخطأ الذي ارتكبه المذيع للتو، ونصححه معًا. لم يكن اختبارًا في اتجاه واحد، بل كانت لعبتنا المفضلة، التي تواطأنا على أن يشرك فيها أحدنا الآخر في أي مكان وأي وقت. بالمثل كانت دروس اللغة الإنجليزية إحدى تسلياتنا المشتركة.

شكلًا، ورثت جبهته العريضة، وشفاهه الرقيقة، وتعرقه الغزير في بعض المواقف الضاغطة، وحساسية بشرته للشمس. فرق شاسع بين سمار وجهه والجزء المعرض من يديه للشمس، وبين بياض سائر جسمه. ومن سمات شخصيته، ورثت عناده ذا الصوت الهادئ، وشروده، وقلة كلامه، وربما انطوائيته (لست متأكدة مما إذا كان منطويًا في العموم، أم مع أبنائه فقط)، وشجاعته وهروبه من المواجهة في الوقت نفسه.

حين سئلتُ مرة عن سبب حبي لأبي، قلتُ: لأن أمي تحبه. أعرف أنها أحبته كثيرًا، ربما منذ بُشِّرت به حين كانت لم تزل طالبة في المرحلة الثانوية أو الجامعية. قالت لها العرافة: ستتزوجين رجلًا طيبًا اسمه أحمد، وستنجبين منه ثلاثة أبناء، وكلما وُسِّع له في رزقه ضاقت عليه الدنيا كل الضيق، كأن شيئًا يجذبه بعنف ويعيده كلما اقترب من تحقيق ما يريد. لم تصدِّق أمي العرافة، لكنها لم تنسَ كلماتها التي بثت في نفسها ترقُّبًا ورهبة. تزوجت منى بأحمد بعد قصة حب استمرت لأربع سنوات، أنجباني بعد عام، وأخي بعد عام آخر، وأخذت الزوجة الشابة طفليها ولحقت بزوجها حين سافر إلى الخارج بعد نحو أربع سنوات. كرَّست له حياتها بالكامل في السنوات التسع المتبقية من عمرها. تسع سنوات حملت ووضعت فيها مرتين، انتقلت من محل إقامة إلى آخر أكثر من خمس مرات، تحملت ظروفًا مادية صعبة، وبالغة الصعوبة في بعض الفترات، ماتت أمها ولم تعلم بوفاتها إلا بعد عام كامل، لم تزر أهلها في مصر ولا لمرة واحدة. والأقسى، أن حدث في منتصف المدة تقريبًا أن اضطرتها الظروف لتحضير نفسها وأطفالها الثلاثة للسفر إلى مصر دون زوجها، لكنها تراجعت بعد اكتمال التجهيزات، فقط لأنها لا تريد أن تتركه في الغربة وحده.

حسنًا، لكل قصة وجهان، ولم يحيرني في صغري وحتى اليوم شيء، مثلما حيرتني قصة والديّ. تقول الأسطورة إن الأستاذ أحمد ابن الشيخ نور القادم من إسنا في الصعيد، والحاصل على بكالوريوس التجارة من جامعة أسيوط، والقاطن منذ بضع سنوات في حي بولاق الدكرور في مدينة الجيزة، كان يتمشى ذات مساء، على بعد شارعين من منزله، ولمح فتاة جامعية جميلة ومحتشمة عائدة إلى بيت أسرتها، فأحبها، سأل عنها، قالوا له إن اسمها منى، تصغره بأربعة عشر عامًا، من أسرة طيبة، أخوها أستاذ الجغرافيا الدكتور فتحي الشرقاوي، والشارع الذي تسكنه مسمى باسم جدها لأمها، السيد غلاب، أول من عمّر الشارع. تمت الخطبة، بعد أشهر قليلة من نبوءة العرافة، وتزوجا بعد أربع سنوات من محاربة القدر، بدواماته، والأهل الذين أرادوا لابنهم عروسًا من العائلة تضمن الحفاظ على نسبهم الشريف المنتهي إلى الحسن بن علي، لا امرأة غريبة من مصر، وكان أهل المرأة على الجانب الآخر يريدون لابنتهم رجلًا أيسر حالًا، وأقل في حدة الطباع. هذا ما تقوله الأسطورة، وليس كل ما تقوله الأساطير خرافي.

كل ذلك حدث بالفعل، لكنّ غيرة وخلافات، وحادثتي طلاق، واستئثارًا من الرجل بالقرار، واستسلامًا وسلبية من المرأة؛ كل ذلك حدث أيضًا. وإلى جانب هذا وذاك، حدثت حياة كاملة، قرارات تربوية صائبة وأخرى ذات نتائج سيئة، وأحيانًا كارثية، قيم إيجابية ترسخت، وعيوب شخصية أورثت. وتظل الحقيقة الثابتة أن منى أحبت أحمد حتى آخر لحظة في حياتها. قالت لي مرة قبل رحيلها بشهور: أبوكم يحبني ويحبكم لكنه يخجل من التعبير عن مشاعره. أما أنا فرأيتُ كيف احتضنها وهي تصارع الموت، كيف نطق اسمها وهو يرجوها أن تعود، وكيف كان يتجنب ذكرها بعد موتها، لأنه لم يعرف كيف يتعامل مع المشاعر التي تثيرها سيرتها. كان من الصعب على ابنة الثامنة عشرة، التي كانت تتواصل مع أبيها بالرسائل الورقية، وتدسها تحت وسادته، حينما تعجز عن البوح له بما يخالجها، أن تخرج بنتيجة قاطعة بشأن أي شيء لم يصرّح به أبوها بلسانه مباشرةً. لكنها كانت تستريح، وما زالت، لافتراض أن قلبه كان ممتلئًا بالحب.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (19): اقتلني ولا تجعلني أمًّا

أتهلل حين أواعد رجلًا وأسأله السؤال الاعتيادي: هل ترغب في إنجاب الأطفال؟ فيجيب بالنفي، وحبذا …

تعليقات