الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (7): موت أكيد للجسد

اكتشاف الجسد (7): موت أكيد للجسد

«إيه ده، هما الاتنين؟ انتو خلَّصتوا عليهم بدري بدري كده؟»، لا أذكر بالتحديد متى ولا مَن كان أو كانت صاحبة هذا التعليق.

لأجل تعليق ساخر كهذا، أو مشفق ومتحسِّر كمعظم التعليقات، كنتُ أتجنب إخبار أي شخص كان بأن والديَّ متوفيان. كنت أسعى إلى حماية نفسي بإخفاء الأمر، وأيضًا لتلافي الدخول في استجوابات وحوارات درامية، بينما أرى أن حياتي مستمرة على نحو جيد، دون الكثير من الدراما. أنا متماسكة، البيت متماسك، أنا ناجحة في حياتي وإخوتي ناجحون، لدينا القدرة على الخروج من حُفر الطريق، وتجاوز العوائق والمطبات، وعلى أن يدعم كلٌّ منا الآخر.

«وانتِ يا لبنى؟ مفيش عندك بابا ولا إيه؟» أما هذا التعليق فأذكر صاحبته جيدًا؛ اسمها، وملامح وجهها، ونظرتها، وابتسامتها المرحة وهي تطرح السؤال، بينما كنت أقف معها وسط عدد من زميلاتي في الجامعة. ابتسمتُ وهمهمتُ دون أن أرد ردًّا واضحًا، لأني لم أعتد الحديث عن هذا الأمر، ولأن الإجابة بـ«لا» لم تكن لتتناسب مع المرح الذي ساد حديثهن.

القصة المختصرة تقول إن أبي داهمته جلطة دماغية بعد مرور أقل من خمس سنوات على وفاة أمي، ليفارق الحياة بعد يومين في غرفة العناية المركزة، في حضوري أنا وأخي. نقلتني وفاته من البرزخ الأول إلى البرزخ الثاني؛ إلى مرحلة جديدة من الموت، تأكدت لي فيها للمرة الأولى وفاة أمي، وأصبحت أصدِّقها تمامًا، ولم أعد أقلق على أبي ولا ألومه على شيء، ولا على عوداته المتأخرة إلى البيت، لأنه لم يعد موجودًا، وأنا هذه المرة متأكدة من ذلك، رأيته بعيني، ومسسته بيدي. رأيت جسده المتعب الذي لم يبرد بعد، إذ كانت الحمى ما تزال تمنح كفه دفئًا تشعر به كفي. صدره لم يعد يعلو ويهبط، وقلبه الذي قال الأطباء إن عضلته عانت من التضخم، لم يعد يخفق. كان هادئًا ومستسلمًا تمامًا للموت.

قبل يومين، حينما استيقظ البيت فجرًا على استغاثة أبي، بينما كان ما زال قادرًا على الكلام، لم يكن يريد الاستسلام، كان الخدر يستولي على شقه الأيمن تدريجيًّا، حتى فقد القدرة على تحريكه تمامًا، وعجز لسانه عن الكلام، لكنه ظل ينظر لي ويبكي، يقول لي أشياء مهمة، لكني عاجزة عن تمييزها، بينما تشد يده الحرة يده المقيدة بعنف، وكأنها تأمرها بأن تتحرك. لا لم يكن عنفًا، بل فزعًا حقيقيًّا. أنت الآن تفقد السيطرة على جسدك، وتخرج من أسطورة أنك جبل، وأنك محارب لا يترك السيف من يده مهما نالت منه الطعنات، وأنك عماد هذا البيت، والراعي الوحيد لأفراده. أنت الآن وحيد، رغم وجود أولادك المنتحبين الذين أحاطوا بك وحملوك مع المسعفين إلى المستشفى. أنت الآن تستعد للمغادرة، مثلما غادرت زوجتك قبل خمس سنوات، دون رغبة من أي منكما في ذلك، ودون أي خطط احتياطية.

كان اليوم يوم خميس، في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وكنت صائمة. رُفع أذان المغرب وأنا في المستشفى، أفطرت، ثم لم أدرِ أيهما حدث أولًا؛ تدافع الأطباء إلى حيث سرير أبي لمحاولة إنعاشه للمرة الأخيرة قبل إعلان موته، أم اندفاع الدماء مني بغزارة قبل موعدها الشهري المعتاد. هل كان جسدي يمتلئ بالحزن؟ أم كان يطرده ويتخلص منه ليشعر بالارتياح؟ هل كل ما في الأمر أن أسوأ مخاوفي قد تحقق أخيرًا، ولن يحدث ما هو أسوأ من ذلك؟

في الأيام التالية، كانت نوبات من الفزع وصعوبة التنفس تهاجمني في الليل، بينما أمضي النهارات هادئة، وأستقبل المعزيات والمعزين من المصريين المغتربين، بابتسامة لا تشي بالكثير من الحزن. لم يتأخر إبلاغنا لأختي الصغيرتين هذه المرة، عرفتا وبكيتا مثلما يبكي الناس الطبيعيون، لكننا احتفظنا جميعًا أمام الناس بوجوهنا الباسمة أو المحايدة على الأقل.

من طرائف الأمور بخصوص هذا الحزن المستتر، أن امرأتين غريبتين دخلتا علينا ذات يوم، وأخذتا تنظران إلى علامات الارتياح في وجهي، وتمتدحان بشاشتي وعظمة تماسكي، لأكتشف بعد دقائق أنهما أتيتا لخطبتي، وأن العريس يجلس الآن مع الرجال في الغرفة المجاورة، ويرغب في رؤيتي. للوهلة الأولى علا الذهول وجهي ووجه زوجة ابن خالتي؛ الرجل الكريم الذي أسعدنا الحظ بوجوده هو وأسرته قريبًا منا. ثم تحوَّل ذهولنا إلى رفض قاطع للفكرة؛ فأنا ما زلتُ صغيرة في التاسعة عشرة من عمري، فقدتُ أبي للتو، ولديَّ من الإخوة الذين يصغرونني ثلاثة، لا يُعرف مستقبل أي منهم بعد، والوضع الراهن يفرض أن نتدبر أمر ذلك المستقبل معًا، مثلما كنا معًا دائمًا، وحتى يقف كلٌّ منا على قدميه ويستقل بذاته.

«طيب تشوفه بس!»

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (15): من النقاب إلى الحجاب إلى خلعه

بالعودة إلى الوراء أشهرًا قليلة، كنت أخوض مواجهة مشتعلة مع أختي الصغرى ذات الأربعة عشر …

تعليقات