الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (3): جسدي المراهق

اكتشاف الجسد (3): جسدي المراهق

لم يكمل جسدي عامه الثاني عشر إلا وكانت الدورة الشهرية قد زارته عدة مرات، وكنت محظوظة بامتلاكي أمًّا مهتمة، أخبرتني قبلها بشهور بما ينتظرني بطريقة بسيطة، وعلمتني كيف أهتم بنفسي، وكانت تعتني بي في المرات التي تسببت فيها آلام الطمث في جعلي طريحة الفراش.

يصعب على المرء كثيرًا أن يقيّم تجارب الأمس بمعايير اليوم. بمعايير اليوم، قد تكون المعلومات التي حصلت عليها آنذاك غير كافية، وقد يكون بعضها مغلوطًا أو غير دقيق، وقد يكون أسلوب الحياة الذي كانت تلك المراهقة تعيشه بعيدًا عن المثالية وعما يجب أن يكون، من نواح عديدة، منها التغذية المتوازنة، والعناية بالجسم والبشرة، والنشاط البدني، والوعي بالجسد، وتأثير العزلة الاجتماعية على الصورة الذاتية للجسد، وتأثير المعتقدات الدينية والممارسات الروحية على تلك الصورة أيضًا.

لخمس سنوات متواصلة، هي الثلث الثاني من سنوات الغربة، لم أكن أذهب إلى أي مكان، كنت آكل وأشرب كثيرًا وأنام كثيرًا، ويزداد وزني الذي ما زلت أذكر سخرية البنات من امتلائه النسبي وأنا في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية. كن ينعتنني بالدبة، رغم أن الطفلة آنذاك لم تكن ترى أنها ثقيلة الوزن إلى هذا الحد، بل كانت ترى أن الوصف بذيء وغير لائق، ولا داعي له، لكنها في النهاية كانت تشعر بأن مظهرها مرفوض لأسباب مبهمة وغير موضوعية. استمر عدم اكتراث المراهقة بوزنها، تجاهلته، لم تسعَ للسيطرة عليه، لكنها كانت لسبب خفي تعرف أنها تملك كتلة جسدية غير مقبولة اجتماعيًّا، رغم غياب المجتمع.

ابتداءً من الصف الخامس، كنت أدرس في البيت في أيام الدراسة، تشرح لي أمي معظم المواد الدراسية، ويشرح لي أبي بعضها، وأذهب لأداء الامتحانات على مدار أسبوع أو أسبوعين في آخر كل سنة، وإلى جانب ذلك ألتهم كل ما تقع عليه يدي من كتب دينية، لا أشاهد التلفاز، ولا أستمع إلا إلى إذاعة القرآن الكريم.

أما العالم الموجود خارج البيت، خارج العزلة الاجتماعية شبه التامة (كان لأسرتنا أصدقاء من أسر قليلة مغتربة أيضًا)، فلم أتعرف على ذلك العالم المجهول إلا عبر أمي، عبر حكاياتها وذكرياتها الخاصة. فمثلًا، كانت أمي تحذرنا من الحب قبل الزواج، رغم أنها تزوجت أبي بعد خطوبة (قصة حب) امتدت لأربع سنوات. حسنًا يا أمي سأكون ابنة صالحة بلا شك، أنا مستوعبة للدرس من قبل أن تلقيه عليّ، وبالتأكيد لن أحب قبل الزواج، ولن تطول فترة الخطبة أكثر من عام واحد، اطمئني من تلك الناحية. كأنني كنت أعرف ما أتكلم عنه.

لم أجد مكانًا أطبِّق فيه توصيات الشيوخ المتزمتة بشأن تغطية الجسد والتستر عليه، إلا في البيت. وباعتباره أمرًا مفروغًا منه، كان خروجي إلى الشارع، في المناسبات القليلة التي يحدث فيها ذلك، يتلازم مع تغطية كاملة لجسدي، باللون الأسود، بما في ذلك كفاي ووجهي، بل وحتى عيناي. أما في البيت فقد ألزمت نفسي بالجلابيب الواسعة السابغة طويلة الأكمام، صيفًا وشتاءً. لم يفرض عليَّ أحد والديّ تلك المبالغة، لكنني كنت قاطعة في رفضي للبناطيل والأكمام القصيرة، وتمسكي صيفًا وشتاءً بالأغطية السميكة التي تحجب جسدي جيدًا في أثناء النوم.

في جزء منه، كان ذلك تدينًا من نوعٍ ما، لكن للحق، كان الجزء الأكبر مرتبطًا بالخجل. كنت خجلى من جسدي المراهق، العورة؛ أي الشيء القبيح الذي سيكون ولا بد مقززًا لمن يراه، أكثر منه فاتنًا. بالأحرى، لم يخطر لي في تلك الفترة أنه فاتن، إلا من باب الفتنة المطلقة غير المحددة المعنى التي يتحدث عنها المشايخ. لم أكن أصدق أمي في المرات القليلة التي أثنت فيها على مظهري ووصفتني بأوصاف الجمال، فقد كنت أراني مفتقرة كثيرًا إليه، على الرغم من أني لا أذكر الآن نموذج الجمال الذي كنت أقارن نفسي به لأخرج بهذه النتيجة. فقط كنت أعرف أني لست جميلة، بل وتصورت أحيانًا أن ملامحي رجالية، وأن نبرة صوتي أخشن من أن تكون لأنثى.

لأسباب تعود على الأرجح لطبيعة جسمي وللتقلبات الهرمونية المرتبطة بالبلوغ، كان يكسو وجهي وأطرافي شعر خفيف اعتبرته كثيفًا آنذاك، وكان يغذي كراهيتي لهيئتي. بكيت بسببه لأمي ذات مرة، وأخبرتها بأنني أكره أن يكون لي شارب مثل الأولاد، وأكره أن أكشف عن ساعديّ وهما مكسوّان بالشعر. هدّأت أمي من روعي وقررت أن تمنحني حرية (لم أستغلها فعليًّا حينها) لإزالة الشعر الذي يؤذيني، على الرغم من أن عادة نساء العائلة ألا يفعلن شيئًا من ذلك قبل الزواج، ليكون تجملهن من أجل أزواجهن فقط، وليفعلن ذلك للمرة الأولى في حياتهن، قبل زفافهن بأيام قليلة، لكن يمكن لأمي الحنون أن تسمح لي ببعض الاستثناءات إن كان ذلك سيرفع من معنوياتي قليلًا.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (20): الجنسانية كشيء يُكتشف

كنت أراجع طبيبًا نفسيًّا في عام 2016، وكلفني في إحدى الجلسات بالإجابة عن عدد من …

اترك تعليقاً