مصطفى الأسواني - روائي وصحفي مصري

من التراب وإلى التراب

مصطفى الأسواني - روائي وصحفي مصري
مصطفى الأسواني – روائي وصحفي مصري
الجسد ظاهرة مؤقتة من التراب وسيعود إلى التراب.. في يوم من الأيام لم يكن موجود، وفي يوم آخر سيختفي من الوجود، إنه يظهر لفترة محددة فقط مثل ندف الثلج، شيء جميل جدًا لكن بمجرّد أن تحملها بيديك تبدأ بالزوال.
وهكذا هذا الجسد الفاني، الموت مخبّأ فيه، يكبر يومًا بعد يوم، والموضوع ليس أن يومًا ما بانتظارك لكي تموت، في الواقع إنك تبدأ بالموت من يوم ولادتك! الطفل الذي عمره يوم قد مات قليلاً بمقدار يوم، وهكذا يموت يومًا فيوم.
وطالما نحن غارقون في هذا النوم، فالموت يلتهمنا ونضيع في الهموم.. الجسد شيء مؤقت فانٍ، فلا تضع كل اهتمامك به، ولا تنخدع بأنك عشتَ مئة عام، فالمئة عام ليست شيئًا مقارنةً بالأبدية والخلود وعمر الكون اللامحدود.
إن الجسد الميت جسم وشيء ميت ببساطة، حتى صاحبه قد تخلّى عنه، لأن ليس فيه شيء يستحق أن يبقى من أجله، فلماذا القلق والحزن؟! لماذا تستمر بحب الجسد الميت؟!
توقّف عن هذا الوهم ووجّه حبك إلى الأحياء، والترحّم على الحي أهم من الميت.. أحبّ الحي في كل جسد، مهما كان جسده قذرًا وبشعًا، كن ودودًا تجاهه فهو ليس مجرد جسد، قد يكون الجسد كبيرًا في السن، مريضًا معاقًا، ولكن احترم الساكن فيه والحياة داخله.
وعندما يموت الجسد فلا يبقى فيه أي شيء جدير بالاهتمام، ونقوم بغسل الميت وتكفينه ودفنه أو حرقه وغيرها من التقاليد والشكليّات والتمثيليات، كلها بلا معنى، لكن لكي لا يكون تصرفًا فظًا، ولنكون مؤدبين قليلاً، نقوم بغسله وإلباسه، وتختلف التقاليد باختلاف البلدان والأديان.. إذا مات أحدهم ودفناه مباشرة في التراب، سيكون أمرًا بشعًا؛ لذا نحاول أن نجعل ذلك يحدث بالتدريج وبصورة جميلة قدر الإمكان.
يجب أخذ الموضوع ببساطة.. جسد من التراب وسيعود إلى التراب، شيء طبيعي جدًا، فلا تشعر بالذنب تجاه ما حدث، وامسح الهم والحزن، عش اللحظة وانظر إلى المستقبل وأبعاد الأجساد التي لا تموت.

عن مصطفى الأسواني

مصطفى الأسواني
صحفي وروائي مصري مهتم بالشأن الخارجي، لا أسعى لإرضاء الرأي العام. أعشق أسوان.

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (7): موت أكيد للجسد

«إيه ده، هما الاتنين؟ انتو خلَّصتوا عليهم بدري بدري كده؟»، لا أذكر بالتحديد متى ولا …

اترك تعليقاً