مصر 2030 نحو الرؤي والمعوقات

 

أحمد النميس

الكثير من التحليلات التى تابعت مؤتمر تدشين استراتيجية التنمية المستدامة “مصر 2030” انصبت على التحليل السياسى ودلالات الخطاب – وهو مهم – لكن دون الرجوع إلى العرض والتحليل الإقتصادى الذى هو بالأساس قوام تلك الإستراتيجية.
جاء ملخص تلك الرؤية على أن تكون مصر من بين أفضل 30 دولة على مستوى العالم فى مجالات التنمية الإقتصادية وتنافسية السوق والتنمية البشرية وجودة الحياة، هذا ما أجابة عنه الإستراتيجية: مصر الى أين؟، لكن ما الطريق؟
لا شك أن مصر تمر مثل الكثير من الدول النامية بأزمه اقتصادية حادة وهذه الأزمة ترجع فى جزء منها الى ظروف خارجية لا سيطرة لها عليها وهذا واضح بالنسبة للبلاد التى تعتمد على الصادرات النفطية كمصدر أساسي لحصيلتها من العملات الأجنبية. لم يقف الأمر عند انخفاض سعر النفط بل تجاوز ذلك إلى عدد من الصادرات السلعية الأخرى ذات الأهمية الخاصة مثل الفوسفات والحديد والقطن وغيرهم،
فى نفس الوقت شهد الإقتصاد العالمى تطورات سلبية أخرى ومن ذلك ارتفاع أسعار الفائدة الدولية مما ساعد على تفاقم مشكلة المديونية الدولية، وتباطؤ معدلات النمو فى البلاد الصناعية مما أدى إلى انكماش طلبها على صادرات البلاد النامية، واحتدام النزعة الحمائية مما قيد مجالات التصدير أمام السلع الصناعية وبعض الموارد الغذائية.
غير أنه لا يجوز إلقاء المسئولية عن الأزمة الحالية على الظروف الخارجية. فإن هذه الظروف تواجه كل البلاد النامية ومع ذلك نجد أن منها من استطاع أن يتكيف مع هذه التغيرات غير المواتية فى البيئة الإقتصادية العالمية.
وهذه نجحت فى تحقيق معدلات عالية للنمو والسيطرة على معدلات التضخم ومواجهة مشكلة المديونية الخارجية وتصحيح الاختلال فى ميزان المدفوعات، وهناك بلاد نامية أخرى على العكس من ذلك لم تتمكن من التكيف مع التغيرات فى الاقتصاد العالمى.
وهذه واجهت تدهور فى اوضاعها الاقتصادية بانخفاض فى المعدلات النمو وتسارع معدلات التضخم وارتفاع ومستويات البطالة وتفاقم فى مشكلة المديونية الخارجية.
هذا الاختلاف اللافت للنظر فى مستويات الأداء يدل دلالة قاطعة على أهمية العوامل الداخلية فى علاج الأزمة الاقتصادية أو تفاقمها. والفرق بين البلاد ذات الأداء الاقتصادى المرتفع وغيرها يرجع بصفة أساسية إلى الادارة الاقتصادية. فالبلاد ذات الادارة الاقتصادية الناجحة تواءمت مع الظروف الخارجية على النحو الذى استطاعت به أن تتفادى الاختلالات الشديدة على العكس من ذلك بالنسبة للبلاد الاخرى.
غير أن هذا التفسير لا يكفى، يتبين من استعراض تجربة البلاد النامية خلال السنوات الأخيرة أن البلاد الناجحة بصفة عامة تلك التى اعتمدت على قوى السوق وحررت نظامها الاقتصادى من القيود البيروقراطية وطبقت سياسات ذات توجه تصديرى. أما البلاد التى اعتمدت على القطاع العام وسيطرة الجهاز البيروقراطى والتخطيط المركزى فى توجيه الموارد بين فروع الإنتاج المختلفة، وطبقت سياسات انغلاقية فى تجارتها الخارجية، فإنها لم تتمكن التواؤم مع البيئة الاقتصادية العالمية وواجهت اختلالات عميقة سواء على صعيد المديونية الخارجية أو على صعيد التضخم و البطالة.
لذلك فإن مفتاح الخروج من الأزمة الحالية يتمثل فى إجراء تحولات جذرية فى نظامنا الاقتصادى بحيث ننتقل من الاعتماد على القطاع العام الى القطاع الخاص، ومن التخطيط المركزى الى نظام السوق ومن القيود البيروقراطية إلى التحرر الاقتصادى، ومن سياسات التصنيع على أساس الإحلال محل الواردات إلى التصنيع التصديرى.
هذا متفق عليه وأظن أن هذا ما تطرحه إستراتيجية مصر 2030، لكن هذا لا يعنى أننا فى خضم إنشغلنا بتحقيق تلك الاستراتيجية والتوجه نحو تحقيق التنمية أن ننسى المواطن البسيط “محدود الدخل” فهذه السياسات لا تعنى بداهة ابتعاد الدولة عن الحياة الاقتصادية فإن للدولة دورا هاماً فى كل الأنظمة الاقتصادية وعلى وجه الخصوص فى البلاد النامية.
ولكنه يعنى خروج الدولة من الانتاج المباشر للسلع والخدمات أى تقليص قطاع الأعمال فيما عداً الحالات الاستثنائية التى يبقى فيها القطاع العام لأسباب ظاهرة قاهرة.
أما ما تجاوز ذلك فإنه يتحول تدريجيا للقطاع الخاص كذلك للدولة دور هام فى إدارة الاقتصاد الكلى على النحو الذى يكفل الاستقرار السعرى والتوازن الخارجى والعمالة الكاملة والعدالة فى التوزيع ومنع الاحتكارات الخاصة، بالاضافه إلى وظائف الدولة التقليدية فى الدفاع والأمن والقضاء وما شابه ذلك ..
بعبارة أخرى فإن القضية المطروحة ليس الاختيار بين تدخل الدولة، وعدم تدخلها، وإنما اسلوب التدخل ومضمونه، بديهى أن عملية التحول هذه لا يمكن انجازها فى فترة قصيرة فإن القطاع العام والتخطيط المركزى والبيروقراطى أصبحت من الكيانات العضوية فى الجسم الاقتصادى، بالاضافة الى ان هناك فئات متعددة ذات نفوذ سياسى ومصلحة فى ابقاء الاوضاع الحالية على ما هى عليه.
المسألة تتوقف إلى حد كبير على القيادة السياسية  ومدى التزامها بتنفيذ الإصلاح الاقتصادى و التصدى لجماعات الضغط و المستفيدين بطرق مشروعة وغير مشروعة من الاوضاع الحالية..
المهم هو وضوح الهدف والاتجاه إلى تحقيقه بثبات والأهم من ذلك ان تلك الخطط والاستراتيجيات تحتاج الى ضوابط حقيقية حتى نضمن نجاحها ومتابعتها عن كثب.
والأهم من ذلك الشفافية التى تسمح بالحوار الوطنى حول تصويب الرؤى وتعديل النتائج، لتحقيق المزيد من التوافق الوطنى حولها.
فى النهاية يجب علينا أن ننتبه ان الفقر الذى نتحدث عنه بات مفهوماً تاريخياً بالنسبة للفقر الذى يتحدث عنه العالم الأن فمثلا البرنامج الإنمائى ل الأمم المتحدة يعرف الفقر على انه ” انعدام الفرص و الخيارات ذات الأهمية الأساسية لتحقيق التنمية البشرية، حيث تتمز تلك الفرص والخيارات فى البقاء على قيد الحياة لفترة طويلة مع التمتع بمستوى صحى مرتفع، والقدرة على الإبداع والتمتع بمستوى رفاهية ومعيشة لائق، والحرية و الكرامة وإحترام الذات والآخرين”

عن أحمد النَميس

أحمد النَميس
صحفي، مذيع راديو، باحث فى الشؤون الأفريقية. أعشق التراث الشعبى المصري والمصريين.

شاهد أيضاً

نتيجة مباراة الأهلي المصري والنجم الساحلي التونسي

حقق النجم الساحلي التونسي فوزًا على منافسه الأهلي المصري في مباراة الذهاب للدور قبل النهائي …

اترك تعليقاً