محمد رمضان والانتصارات الوهمية

 

لا يوجد شخص يحب الفشل أو الهزيمة، ورغم ذلك لكل منا إخفاقاته التي تؤثر عليه بالسلب، ودائمًا ما يبحث الإنسان عن تحقيق بعض الانتصارات، حتى وإن بدت الانتصارات وهمية، التي تكون على شكل تفريغ بعض الطاقات السلبية  .

 

مع بدايات السينما الأمريكية وجدنا أفلام “رعاة البقر”، رغم أنها أفلامًا تحدثت عن قتل الهنود الحمر وطردهم من أراضيهم، إلا أن الجمهور في ظل الإبهار السينمائي، نسى أو تناسى أنهم جاءوا على حقوق الضعفاء أصحاب الأرض الأصليين.

 

بينما جاءت أفلام “الساموراي” في اليابان على النقيض، التي تحدثت عن البطل الذي يقهر الأشرا  ،بل ويدافع عن المستضعفين.

 

وهكذا يتسرب البطل السلبي أو الإيجابي إلى عقلية المشاهد، طالما يوجد انتصار ما، أو مغامرة اجتازها وسط صعوبات عديدة.

 

بكل تأكيد السلبي أخطر على المجتمع من جميع النواحي، فلو رأينا حدوتة بطل تطارده الشرطة، هنا نتوقف لنبحث خلف عقلية المشاهد، حتى وإن كان هذا المشاهد لم يكن لديه تعامل مباشر مع رجال الشرطة، لكن يترسخ لديه سواء من السمع أو الرؤية بعض السلبيات،  لذلك يشكل الهروب هنا انتصارًَا للعقل الباطن في خلفية الشعور، الذي قد يظهر على السطح من حين لاّخر، يحدث ولو لبضع ثوان معدودة الامتزاج الكامل، يتم كسر الإيهام ليتحول من مجرد مشهد عابر إلى أمنية يرغب في تحقيقها.

 

أما عن صورة البطل السلبي بأفلام “محمد رمضان” مثل “الألماني” و “قلب الأسد “و “شد أجزاء” الذي قام فيه بدور ضابط شرطة ينتقم لنفسه من الذين قتلوا زوجته داخل أحداث الفيلم.

 

ومع تتابع الأيام سيطرت فكرة “البلطجي” الذي ينتقم لنفسه، وليس له علاقة بالقانون، بل يستخدم قانونه الذاتي.

 

كل هذا يتفق مع عقلية المناطق الشعبية بشكل أكبر، حيث ظاهرة البطل القاهر الظافر، ينفذ كل ما يتمناه، بغض النظر عن القيود أو السلطات، لذلك يدخل المشاهد السينما ليرى من يأخذ حقه من الذي قهره.

 

بينما صورة البطل الإيجابي، جسدها “رمضان ” في عدد من الأعمال الأخرى، وأن كانت ظهرت في الدراما التليفزيونية بشكل أكبر مثل “ابن حلال” الذي تحول من شاب مسالم إلى شاب عنيف يرفع السلاح في مواجهة الدولة، ثم أخيراً بـ “نسر الصعيد”.

 

البداية الفكرة العامة و الكتابة:

 

حاول من خلاله تجسيد أصول العائلات في الصعيد، وعن فكرة الكبير الذي يطيعه الجميع، وإن كان اقترب بالفعل من تلك الفكرة، لكنها قسمت البشر إلى خير مطلق أو شر مطلق، من ثم يضيع بينهما الحياد ، ليصبح المشاهد في تلك الحالة موجه لمحبة تصرفات البطل بغض النظر عن الدوافع.

 

تدور أحداث المسلسل عن ضابط شرطة يدعى “زين”، و هو سليل عائلة عريقة في الصعيد تسمى عائلة “القناوي”، وضعت العائلة نفسها لخدمة الفقراء  ضد من يأتي على حقوقهم.

 

تبدو الفكرة في ظاهرة رائع، تجسد البطولة بكل معاني الكلمة، دخل  “رمضان” إلى صراع نفسي لينفي كل الأبطال السلبيين الذين قام ببطولتهم في أعمال سابقة، لكن حتى الاَن نجد إنه الضابط الخارق، هو الوحيد الحكيم الذي لا يخطىء، بل تقع في حبه الفتيات من أول نظرة، تلك عيوب تجسيد البطل الإيجابي، الذي يقع فيه كاتب السيناريو، ليتم الخلط بين البطولة و الكامل المطلق.

 

حتى يقبل المتلقي كل هفوات الكتابة والإخراج، بل و أحياناً التمثيل، في مقابل أن يرى بطله ينتصر، ويقهر الأعداء، لذلك نجد ثغرات عديدة داخل السيناريو وتطويل في الأحداث بلا داعي.

 

التمثيل :

محمد رمضان: يملك موهبة تمثيل كبيرة، لكن التوظيف هو عقبة موهبته في الوصول، أذكر له فيلم “الخروج من القاهرة” في بداياته، ثم جاء بعده فيلم “احكي يا شهرزاد” مع المخرج الكبير “يسري نصرالله”، كان في الحقيقة مشروع لنجم يمتلك أدواته، ويسير على نهج “أحمد زكي”، لكن أغراه المال وسار خلفه، حتى كرر نفسه، لذا لا نستغرب من ابتعاد الطبقة المثقفة بالتحديد عن أعماله، والتقليل من حجم موهبته،  وبهذا بالمسلسل أيضاَ يسير على نفس المنهج، يحاول الاقتراب من عقلية المشاهد، ببعض مشاهد الحركة و صناعة الدموع ، وبعض الابتسامات الصفراء للدلالة على الطيبة.

 

سيد رجب: ابتعد كثيرًا عن التلقائية ودخل في التصنع وكأنه يقلد من سبقوه بأدوار الشر.

 

درة: لم تقدم أى جديد في دورها كما لم تقدم “وفاء عامر” أى جديد أيضًا.

 

الإخراج :

 

اعتمد على نجومية “رمضان” الجارفة، استسهل صناعة المشاهد، حتى يبدو لنا أننا نرى فيلمًا هنديًا مدته ثلاثين حلقة، واكتفى بتوجيه الكاميرا لمحمد رمضان، دون أن نشعر أن هناك جهدًا مبذولًا لصناعة مشهد محكم التفاصيل.

 

حتى اللهجة جمعت بين لهجة شمال الدلتا ولهجة جنوب الصعيد، لتخرج لهجة لا تنتمي إلى الصعيد أو الدلتا.

 

هل وضع “محمد رمضان” كل هذا أو حتى المنتجين لأعماله كل ما سبق عن موضوع البطولة الشعبية الإيجابية؟!

 

لا أظن ذلك لكنهم كرروا ما قد نجح في السابق، بمعنى استثمار نجاح ورهان على موهبة جذبت الأنظار إليها بشدة في سنوات قليلة، لكن السؤال هل سيبقى الرهان قائم بنفس جودة السنوات الماضية، من حيث النجومية والمتابعة والإيرادات؟

 

عن بيتر ماهر الصغيران

بيتر ماهر الصغيران
كاتب قصص قصيرة و روائي و شاعر

اترك تعليقاً