مصطفى علي

لهذا لم أقرأ كُتيب التعليمات قبل بلوغي الثلاثين

مصطفى علي - مؤسس منصة على فكرة
مصطفى علي – مؤسس منصة على فكرة

بإمكاني أن ألخص العشر سنوات الماضية في عبارة واحدة هي “أني لم أقرأ جيدًا كُتيب التعليمات”، فهذا – التلخيص – يعفيني من كتابة سطر إضافي إذا ما أصابني الملل، ويفتح للقارئ المسكين بابًا للهروب من قراءة بقية سيرتي “المباركة”!

لا أريد عن أحكي عن محاولاتي المتكررة في كتابة هذا المقال، وإلا صار هذا مقدمة لا تعبر عن شيء سوى فقر في الأفكار، لكني حقًا حاولت كثيرًا غير أني لم أجد طرف الخيط إلا الآن.

عندما أنظر إلى كل تجاربي مع أي منتج اشتريه لا أذكر لنفسي مرة أنني قرأت النشرة المرفقة بالدواء أو كتيب التعليمات مع الأجهزة الإلكترونية قبل استخدامها، عادة ما كنت أنظر إلى هذه الأشياء على أنها غير ضرورية من ناحية وستحد من تجربة استطلاعي لهذا الشيء أو ذاك، كنت فقط أبحث، وهذا عند الضرورة، عن كلمات مفتاحية بعينها للتأكد من أمر ما، أمرر اصبعي على السطور وعيني تتجاهل، متعمدة، كل كلمة لا تتطابق مع ما أبحث عنه.

منحني هذا، بشكل عام، تجارب فريدة أحيانا، ومتخلفة في أحيان أكثر. لذا لا أجد في هذا ميزة أو عيب مطلق، إذ فهمت مؤخرا أن الشغف والعناد كانا دائما ما يحركاني في هذه المرحلة بالذات، وكان طبيعي كلما تقدمت في العمر خفت لهيبهما وصرت قادرًا على الصبر وقراءة ما ورد من تعليمات في كتيب الإرشادات، وعرفت قبل أن أتم الثلاثين من عمري ما حققته بفضل هذا وما فاتني أيضًا.

الآن أيضا أعرف أنه لا معنى – ولا جدوى أيضا – من افتراض أن يعود بي الزمان إلى مطلع العشرينيات مرة أخرى وأعيد، وعيني على المستقبل الذي عرفته، حساباتي واختياراتي، كنت مصمم في كل سنوات عمري على أن اختياراتي مثالية ولن اختار غيرها إذا ما أتيح هذا الأمر، لكن هذا كان على سبيل العناد الذي سيطر على شخصيتي العقد الماضي، أما الآن وأنا أدرك أن كثيرًا من اختياراتي كان حمقاء إذ لا يكفي وصف خاطئة، لا أظن أني قادر على اتخاذ غيرها إذا ما عاد بي الزمان لكن إلى نفس الشخصية بسماتها التي كنت اتمتع بها، ونفس الظروف التي كانت تدفعني وستظل تدفعني في اتجاه نفس الاختيارات.

لا يمكنني أن أقول أن تجربتي تعيسة، نعم أشعر ببعض المرارة والغضب وأنا أطوي صفحة أسعد أيام الحياة كما يقول البعض، لكني لا أراها تجربة تعيسة أو فاشلة في المطلق، وبالطبع لا استطيع أن أصفها بالسعيدة أو الناجحة، بالرغم من أني حققت كثيرًا أهدافي وبطرق لم اخطط أن تتحقق بها، لكني لا أراني الشخص الذي كنت اتطلع له.

منذ عام تقريبًا صرت أعرف الكثير عن نفسي، ورأيت بعين المراقب، لا بعين الجلاد الذي رافقني طوال عمري، حياتي واختياراتي سلسلة من الظروف والاختيارات قادتني إلى ما وصلت إليه من خير ومن سوء، وعرفت اسيطر على غضبي تجاه ظروفي واختياراتي، التمس العذر احيانًا وأعيد حساباتي احيانًا أخرى، بدلًا جلد الذات المستمر والذي أضعفني أكثر مما قومني.

أبدأ العقد الجديد تمامًا كما بدأت العقد الذي قبله، بتجربة جديدة في حياتي العملية، مبتدءً يتعلم قواعد جديدة في طريق جديد، وبإيمان كنت قد فقدته لسنوات قاتمة، وبحلم كنت قد فقدته أيضًا فسرت طويلًا على غير هدى، أنا نفس هذا الشخص العنيد والذي لا يلتزم كثيرًا بكتيب التعليمات في هذه التجربة أيضًا لكني صرت أكثر هدوءً وانفتاحًا على كل ما يقابلني من معطيات بعكس العقد الذي سبقه.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في العزلة رحلة ذهاب.. لا عودة

أدركت اليوم أنه لا رجوع لما نسميه “الحياة العادية، أظن أنني بشكل لاشعوري أعرف هذا …

اترك تعليقاً