هل اصبحت لا دينيًا؟

 

– في نظرك، أن الله خلق الكون وانتهي الأمر “كصانع الساعة” تدور في صيرورة مقررة، لا يتدخل مطلقا كما أن كل الأديان هي دين واحد اختلفت اشكاله باختلاف آليات وأدوات العصر..

 

– أكمل ..

 

– ألا تري ان فكرك مادي، مثل قوانين الفيزياء؟ رجل عملي ضبط ساعة تدور أليًا، وكأننا استبعدنا الإله، مجرد مصدر للحركة فقط، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، أقصد، أنك تنظر للأمور بحيثيات عقلك أنت ووجهتك المادية الخاصة، وتفترض علي الكون أنه يسير وفق فرضيات عقلك الذي بدوره في الأصل وليد بيئته ويبني كل شيء على معلومات قد تلقاها منها بالأساس، جائز صحتها بنفس قدر جواز خطأها..

 

– وما العجيب في ذلك! في منظورك الديني الإله “الذي خلق الصراع” ومصدر كل شيء اختصرته أنت كمُحابي لقبيلة واحدة من سائر مخلوقاته، بل يشارك أيضًا في الصراع، ويتحيز لجانب عن آخر، يذكرني ذلك بيوسف شاهين المخرج والذي يقوم بدور ممثل، ما المبهر في الألوهية ها هنا!

 

– اممم ، حسناً، لكن هذا، ضد النسبية نفسها، شخصًا ما يؤمن بحتمية فرضية، يؤمن ثم يتشدق علينا بأن كل شيء نسبي، ألا ترى ياصديقي ان موقفك مضحك نوعًا ما!

 

– أمر في غاية البساطة، أي شخص مصاب بالدالتٌزم ( عمى الألوان) مهما أقنعته أن هذا اللون ليس أحمر و ذاك ليس أخضر، لن يصدقك، لأنه لا يملك القدرة علي التمييز بينهم مثلك! بكل تأكيد سينساق وراء حقيقتك، القطيع الذي ينتمي إليه يراه هكذا، ويد الله مع الجماعة يا أخي، الحقيقة هنا نسبية، هو مخلوق كما هو، ليس باستطاعته رؤية ما لا يمكن رؤيته طبقاً لحالته، فهنا ايمانًا حتميًا، لا يرى الألوان بالدرجة التي تمييزها أنت، إيمانًا بُني على مُسلّمات، بالرغم من أننا لا ندرك هل تستحق حواسنا الثقة أم لا، بغض النظر عن تأويلك أنني أملك حتمية، على كل حال لا يعيبني ذلك الآن – دعني أستعير ما استدل به الفيلسوف الوردي – كلٌ منا يحمل حقيقته كما يحمل حقيبته، وهذا ما أسميتهُ “حتمية الاختلاف”.

 

الحتمية الأولى المطلقة – التي خرجت منها كل التصورات – في يد “الإله”، وتختلف باختلاف الزاوية التي نرى منها، وسرعان ما تكتشف أن كل معنى يحمل في قلبه نقيضه، يحمل كل الاشكال والألوان التي تناسب جميع عقول باستطاعتها التأويل والاختلاف..

 

– حسنًا ، لما تدعو إذًا بالاهتمام بالعجائز ومعالجة المرضى ورعاية الأيتام وفك الأسرى و .. و .. أليس هذا جزء من منظومة الأخلاق التي بدورها، شق رئيسي في الدين، بعكس المنظومة المادية، نيتشاوية كانت أو داروينية عرفت القتل إبان النازية بالتطهير العرقي، وأي جندي كان يتصرف طبقًا لحيثية “عبد المأمور”، والعملية برمتها كانت قتل محايد موضوعي من أجل الوطن، من أجل القومية، من أجل الحفاظ علي البلد، أفكار وشعارات ومنهجية يستخدمها الآن نظام “السيسي” في معارضيه!

 

– هذا ما يحدث بالفعل طالما تبنت الناس أفكار ما بغض النظر عن نوعها وحسبت أن الكون يدور حولها، هي فقط من تملك الحقيقة المطلقة وعلى البقية مراجعة أمرها، هي فقط أحفاد الجنان والفراديس والبقية حفنة من العظم وقودًا لنار جهنم وبئس المصير، هي فقط من تحمل اللواء والبقية الباقية إرهابيون يجب التخلص منهم لسلامة العباد والبلاد.. في أمسية ثقافية ليلية جمعتني مع مفكر يحُسب له “أشرف الخمايسي” بالمناسبة ، الرجل صرح بشيء عجيب:

 

“لن ينجو الإنسان طالما فضّل الفكرة عن الانسان”. والحقيقة أننا لا يسعنا إلا أن ندرك كم كلامه محق، هل قفزت في عقلك مثلي فكرة داعش؟ ها هي توحد وتهلل وتكبر وهي تفصل رأس المسيحي عن جسده! تقطعها كأنها تذكرتها للجنة! تؤمن بفكرة علي حساب حياة الإنسان! تؤمن أن هي لله، والله لها أي اله هذا الذي يؤيد قتل إنسان – خلقه على عينه – لمجرد اختلافه معه، أخشى ما أخشاه أن تفتح هذه الفكرة أبوابًا لا قبل لنا بغلقها، أقربها: حُكم الله الديكتاتوري الذي يخشى معارضيه ويأمر بذبحهم ويقارع الكؤوس حين النصر – ولعمري – هذه أفكار قد لا تُنجيني من مذبحة التكفير ..

 

– لكن هؤلاء لا يمثلوا الدين؟

 

– بسيطة ومذابح هتلر لا تمثلني.

 

– كيف يكون دينًا واحدًا؟ ألا يعني ذلك أن كل الكفار، سيدخلون الجنة والعياذ بالله، ما فائدة الرسل والوعيد الذي بلغنا به ربُنا في كتابه وتلك الآيات والاصحاحات، هل كل ذلك عبث؟

 

– كُفار أصحاحات، تؤمن بالمسيحية وتكفرها في نفس الوقت، ما علينا، رسالة الإله واحدة، له عباد مُبدعين، عباقرة، عظماء بحق، بمفهومنا نحن نُسميهم أنبياء، كل منهم استوعب الرسالة بطريقة ما، كل منهم له آليات معينة تناسب هذا الزمان، كل منهم أخذ بأسباب عصره، منهم من فعل أشياء عجز عنها نواطيس الطب، منهم من أعجز اقحاح قومه من أهل اللغة والفصاحة بالبلاغة، منهم من تغلب على أهل السحر بما هو أشد من السحر، في الأخير قدموا رسالة واحدة في عصور مختلفة أخذوا فيها بالأسباب – ولعمري – لو وعي الناس ذلك لاستراحوا واراحوا.

 

– أنت إذن ممن يريدون تنقيح الأحاديث والموروثات بل تنقيح الدين ككل، كيف ذلك وأن الموروثات علمتنا الصلاة وهي أهم ركن؟

 

– على المرء أن يفرق بين ما فرض عليه فرضًا في عالم الدين و عالم المورثات، الله نفسه يقبل الإيمان به والكفر والبحث والتشكيك، العجيب أن رجال عالم المورثات وضعوا علي رؤوسهم هالة من القداسة فلا يسمحون لك أن تبدأ بحثًا لتنقح ما تراه واجب التنقيح، لأن ما صدر عن مجتهد أصبح بمرور الوقت دين…

 

لكنك بكل شفافية تقبل العالم الأول – إن كنت من أصحاب الديانات – لسبب آخر وهو أنه أعطاك حرية مهولة في فهم ما تريد كما تريد وسمح لك بالخطأ والصواب بدون أي تدخل أو فرض أسس للتفكير، في حين أن اجتهاد شخص من الارض إحالة البعض بعد بضع من الوقت، دين صدر من الله!! بل مجرد نقده هو نقد لله ذاته.

 

لأن تقديس الشخص هو تقديس لكل ما قاله وإن كان هزلًا، فيندس غصبًا في الدين ما قاله وما نقله بطريقته التي فرضها ، والتي بدورها تؤدي لنفس النتيجة “ما قلته مقدسًا و صحيحًا وغير ذلك كفر” العجيب أنك حينما تسترجع سيرة النبي إبراهيم، تراه في كل مرة يطلب من الله ما يقتل شكه “ليطمئن قلبه” لم يعنفه الله ولم يقل له يا مهرطق ولا كل الألقاب التي يحصل عليها كل ما تسول له نفسه التفكير، أقول أن الله نفسه سمح بالخطأ والصواب، سمح بالشك فيه قبل اليقين، سمح بالهدم والبناء، بالتأكيد الله لا تعتريه مشاعر إنسانية أو عنصرية! بل ولم يفرض على أي إنسان الخضوع والإيمان به، حتى لو كان هذا الإنسان يتصور الله في فأر أو حجر أو حتي حلة بصارة!! بل قرب إليه كل من وصل إليه بعقله، وترى في جميع كتبه قلة توصيف تفاصيل الصلاة، كم ركعة كم سجدة كم تشهد باعتبار أن سؤالك يخص المسلمين، وكثرة تهديد الظالمين والمترفين والذين يركبون الآيات لمصالحهم الدنيوية..

 

– ومسألة الكفر وغيره؟

 

– أخبرتك بها لكنك لم تهتم، مثال الجاحظ، إن الله لا يعاقب الكافرين على كفرهم إلا من كان منهم معاندًا حقًا وهو الذي يقتنع بصحة الدعوة ولكنه يؤثر الكفر عليها بدافع من مصلحته الشخصية. ففي رأي الجاحظ، إن آراء الإنسان وعقائده ليست إرادية، بل مفروضة عليه فرضًا، وإنها نتيجة حتمية لكيفية تكوين عقله وما يعرض عليه من الآراء فمن عرض عليه دين فلم يستحسنه عقله فهو مضطر إلى عدم الاستحسان، وليس في الإمكان أن يستحسن، وهو إذن مسؤولا عن اعتقاد، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فمن أصيب بعمى الألوان فرأى الأحمر أسود فلا لوم عليه في ذلك. إذ ليس في استطاعته إلا أن يفتح عينيه أو يقفلها، أما أن يرى هذا أسود أو أحمر فلا دخل له فيه، وكذلك الشأن في المعقولات..

 

– اذًا، من المحاسبون؟

 

– من يعلم ويضلل الناس لمآربه الدُنيوية، هؤلاء لعنهم الله و الأنبياء في كل الأديان بلا استثناء.

 

– طيب لنفترض أن..

 

– لا، ليس علي أن أفترض، لا أبني اجابة علي فرضيتك أنت، كمفهوم الرياضيات، ستخبرني واحد زائد واحد يساوي كام؟ الحقيقة أنك تدفعني دفعًا لاجابتك ولا تدفعني للتفكير والبحث المجرد، فرضيتك اصلا بُنيت علي معطيات فكرك أنت فمن الطبيعي جدًا أن تأتي بنفس ما أتَيت به من قبل، اسمح لي يا صديقي هذه اللُعبة ليست عبقرية على الاطلاق، و نصيحة أخرى لك، الدين عنصر مختلف عن العلم، العلم فرضيات وأبحاث لا تخلط الطريقتين، الدين إيمان حتمي تكتشف نتائج أوامره ونهيهُ في سلوكك، لا يمكن الإيمان بالرقم 9 أو الإيمان بعنصر الكربون أو تعرف ماهية دين البخار ودين الكهرباء وعقيدة السحاب، لكن أؤمن بالله وكتبه ورسله وكل ميثولوجيا الدين، لكن دعك من كل ذلك ومن كل المغالبات الكلامية لو فعلا تبغي المعرفة المجردة، ستأتيك بين يديك ولن تحتاج أن تتمسك بحقيقة واحدة، مؤمنًا أو مُلحدًا أو لادينيًا..

 

– من انت اذًا في كل هؤلاء ..؟

 

– أنا كل هؤلاء ..

عن أحمد عبد الفتاح

أحمد عبد الفتاح
مدون مصري

اترك تعليقاً