كيف سقطت كلمة العرب من تاريخ الأندلس 2

أحمد الشربيني

في المقال السابق تعرضنا لتسليم غرناطة على يد الأمير أبو عبدالله الصغير للملكين فرديناند و إيزابيلا، وكيف انتهت الحمراء بقصور قمارش والسباع في أيدي ملوك قشتالة و أرجون.
إن الهدف من هذه المقالات ليس البكاء على المجد الضائع والعز التليد، و لكن لكي ندرك ماذا يحدث للضعيف المهزوم عند الإستسلام، وكيف ندرك أن لا سبيل إلى النجاة إلا بالرجوع إلى الطريق القويم.
لا نريد أن تختفي الكلمة التي إنطلقت من صحراء العرب من أراض أخرى. لا نريد أن يمحو النسيم الرقيق أثار أقدامنا من على الرمال نريد أن يردد الأحفاد بأن الأجداد مرو في تلك البقاع في فجر الزمان.
كعادة الأمم المهزومة، تنتهي الحركات الفكرية وتقل أو تنعدم العناية بالتدوين التاريخي، لذلك فإن المراجع المتوفرة لوصف حال المسلمين بعد السقوط قليلة للغاية، بعكس المراجع الكثيرة التي تؤرخ لعهد عبدالرحمن الناصر، والذي وصلت فيه الدولة الإسلامية في الأندلس إلى عز مجدها.
في المقال السابق استعرضنا كيف حرق الإسبان جميع الكتب الإسلامية، في محاولة لمحو الهوية العربية الإسلامية من الشخصية الأندلسية، كأول حركة لنقض عهود ومواثيق تسليم غرناطة.
بعد ذلك عمد الإسبان إلى حسن معاملة البقية الباقية من الأمه الإسلامية في الأندلس. يعزو بعض المؤرخين حسن المعاملة إلى حاجة النبلاء الإسبان إلى العمال والزراع المهرة أصحاب الخبرة في تلك الأراضي لكي يرعوا ضياعهم، فكان الإحتفاظ بالمسلمين ضروريا. ولكن كان الحزب الآخر في المجتمع الإسباني بقيادة رجال الدين وقادة الحرب يتوجس خيفة من الشعب الغرناطي المسلم ومن هنا بدأت سياسة التنصير.
وأوكل فرناندو و إيزابيلا مهمة تغيير المجتمع الغرناطي إلى الكاردينال خمنيس الذي وضع خطة تغيير الهوية العربية الأندلسية إبتداءً من حرق الكتب و انتهاءً إلى محاكم التفتيش.
بدء الإسبان الخطة بالعمل على تغيير العلماء والفقهاء وأكابر القوم وتنصيرهم تارة باللين وإغداق الهدايا والأموال، وتارة بالقسر والشدة. لقد أدرك الإسبان مكانه رجال الدين في المجتمع، وهي المكانة التي أُهملت في عصرنا. فجمع الكاردينال  خمنيس أكابر أهل غرناطة و دعاهم إلى التنصير، فتنصرالأميران سعد ونصر ولدا السلطان أبي الحسن و الوزير أبو القاسم و الوزير يوسف ابن كماشة. و أجبر آل الثغرى حماه مالقة، و كبيرهم حامد الثغرى على التنصر في مشهد لم ينمحي من ذاكرة أهل غرناطة.
لقد أدرك الإسبان أن تحطيم الرموز و القدوة الحسنه من أهم الطرق إلى التأثير على الشعوب. ونرى الآن مجتمعاتنا و قد أصبحت مفرغة من القدوة الحسنة والرموز، فنجد دهماء القوم أصبحو من عليائها، فيفقد الشعب الأمل في الأفضل وينشغل إلى تصريف أمور معيشته، فيعزف كل على ليلاه فتنهار الدولة، وهو مايحدث حولنا الآن.
لا يوجد غضاضة أن يدعو قوم آخرين إلى دينهم، ولكن مكمن الخطأ فيما فعله الإسبان هو القسر والسعي إلى طمس الهوية العربية، فعمدو إلى تغير أسماء المتنصرين إلى أسماء إسبانية..وللحديث في هذا بقية في الحلقة القادمة.
و لا غالب إلا الله

عن أحمد الشربيني

أحمد الشربيني
مهندس، طالب دكتوراه في الهندسة المدنية في جامعه إيوا بالولايات المتحدة الأمريكية و مدير عقود في شركة إنشاءات.

شاهد أيضاً

في ليلة من الليالي.. (قصة قصيرة)

وليست كأي ليلة..فقد طلبتُ مِراراً في أعوام مضت، لطالما كنت أطلب وأطلب ولا أعبأ بالإجابة.. …

اترك تعليقاً