كتاب عبده 5 – عبده الناقد

هناك قصة مشهورة جدا عن المعلم الذي رسم نقطة سوداء على سبورة بيضاء ، ثم أخذ يسأل تلاميذه : ماذا ترون ؟ فيجيب الجميع بأنهم يرون نقطة سوداء ، ثم يصحح لهم المعلم المعلومة : إنها سبورة كاملة بيضاء ، لكنكم ركزتم على ما تريدون وتركتم الجزء الأكبر والأهم .

القصة رمزية ، لكن عبده الناقد ليس رمزيا

 

عبده الناقد ، حرفيا لا يرى إلا النقاط السوداء في الحياة

 

عبده الناقد ، هو آخر شخص أتمنى أن يقرأ مقالي هذا ، هو أكثر شخص أكره لقاءه في الصباح ، هو الذي ارتجفت منه حوائط البيوت ، وخشيته أرضياتها ، وابتهلت أسقفها داعية بأن لا ينظر للأعلى ، وطلعت الشمس الباهرة وهي تحمد الله على شدة ضوئها الذي لا يمكن عبده الناقد من النظر إليها

 

ترتدي أكثر ثيابك أناقة ، وتمعن في تنسيقها وأناقتها ، لكن عبده الناقد يترك كل روعة ما ترتدي ، ليقول لك : إنك لا تشعر بالفقراء ، وتسبح في الحرير بينما يموت الأطفال جوعا أيها الوغد الزنيم

 

ارتديت ثيابا متواضعة ، تبا ، يا أخي إن الله جميل يحب الجمال يا أخي ، ألا تحسن من لبسك ، هل أنت فقير لترتدي هذه الأسمال ؟

 

لو كان الناقد أباك ، فسيلقاك في الصباح ليسألك : هل صليت ؟ متمنيا ألا تكون فعلت ، ليجد فرصة لانتقادك ، لكنك تقول : نعم صليت ، فينتقل فورا للسؤال التالي : هل أحضرت الإفطار ؟

 

– نعم

 

– هل كتبت الواجب ؟

 

– لم أعد تلميذا بعد !

 

– هل رتبت غرفتك ؟

 

– نعم

 

– مم ، لماذا تسرح شعرك هكذا ؟

 

– لم أسرحه بعد ، لذلك هو هكذا

 

– تبا ، لم تسرح شعرك يا عديم النظام يا قليل التربية يا ضياع مجهودي يا أسوأ مشاريعي يابن ال…

 

عبده الناقد هو الذي قال عنه القدماء : مالقاش في الورد عيب ، قال أحمر الخدين ، وحذرت منه الجدات أحفادها : يابني ، امش عِدِل يحتار عبده الناقد فيك

 

عبده الناقد قاعد للساقطة واللقطة ، هو الذي قال عنه الشاعر :

 

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * * * مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * * * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

 

عبده الناقد لا يفنى ولا يستحدث  من عدم ، إنه الكائنات الطفيلية اللزجة التي لا تموت

 

كم أفسد من فكرة ، وكم جعل أشخاصا يكرهون أنفسهم ، وكم حطم قلوبا ، وكم وكم …

 

يمتزج النقد عنده بغرور غير مبرر ، إنه دائما على صواب ، ودائما يرى ما لا ترون ، ولا يقبل الجدل ولا التشكيك في كلامه ، ويومك أسود لو انتقدته من باب لا يفل الحديد إلا الحديد ، لأنك ستكتشف حديده من الصلب المستورد الذي لا يفل

 

يحب الناقد تصنيف الناس ، لأن هذا سيعطيه فرصة التعميم ، ونقد أكبر عدد ممكن من الأشخاص في جملة واحدة ، لأن طاقته تستمد من عدد الناس الذين ينقدهم ، فالتعميم يعطيه آلاف ال(عملاء) خبطة واحدة ، على طبق من ذهب

 

ليس عند عبده الناقد نقد بناء وآخر هدام ، النقد لمجرد النقد ، النقد أولا والنقد أخيرا ، انقدوا الناس من المهد إلى اللحد

 

يحب عبده الناقد أن يرى أثر نقده عليك ، لذا فإن عدم تأثرك وتجاهله سيصيبه في مقتل ، فإن فعلت فكن مستعدا لسهامه التي لن تنقطع عنك ، فإن صمدت ففي ذلك انهزامه ، فقط ليحشد سهاما أكبر

 

سيقرأ عبده الناقد هذا المقال ، وسيترك كل ما فيه من صواب وروعة ، ليعنفني على الفاصلة الوحيدة  التي وضعتها حيث كان ينبغي أن أضع فاصلة منقوطة ، لكني لن أرى ما كتب ، عبده البارد هو خير وسيلة لصد هجوم عبده الناقد

 

ولنا معه لقاء آخر

عن عبد الرحمن المكي

عبد الرحمن المكي
مدرب لمهارات اللغة عربية

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (20): الجنسانية كشيء يُكتشف

كنت أراجع طبيبًا نفسيًّا في عام 2016، وكلفني في إحدى الجلسات بالإجابة عن عدد من …

اترك تعليقاً