كتاب عبده 2 – عبده المتدين

كتاب عبده

طبعا لا بد أن أوضح ألف مرة قبل الحديث عن عبده المتدين ، أنني لست ضد الدين والتدين ، ولا ضد السنة النبوية ، ولست وغدا زنيما يأكل الخنزير ويمشي في الحانات ويرتكب الفاحشة على سبيل التسلية وتزجية الفراغ.

لكن حديثي عن عبده ، الذي لم يفهم من التدين إلا اسمه ، ومن اتباع السنة إلا رسمه ، فظن أنه بارتداء زي معين وممارسة بعض الشعائر ، وكتابة سبحان الله العظيم مائة مرة على الفيس ، قد صار شيخ الإسلام وحارس العقيدة .

عبده المتدين موجود في كل دين وفي كل عصر ، يعتبر التعصب لدينه بغير علم هو قمة التدين ، وكلما كان صوته أعلى ، كان أكثر قربا من الله .

لا بد في حياة عبده المتدين ، من الشيخ أو الداعية فلان ، الذي يعتبره قدوته وقائد حياته ومماته ، الشيخ فلان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو لا يسمح لنفسه بمجرد التفكير في كلام الشيخ ، ويعتبر أن مجرد عبارة : الشيخ فلان قال كذا ، هي أمر إلهي للكون بتنفيذ مشيئة الشيخ النافذة .

أحيانا يقرأ عبده المتدين كتابا أو كتيبين في الفقه والعقيدة ، فيستغني عن الشيخ ، ويصير شيخ نفسه ، وإمام ذاته ، ولا بأس من أن يبدأ في التشيخ على غيره وتنصيب نفسه للمتقين إماما

طبعا ، لكل عبده متدين من طائفة أخرى شيخه أيضا ، وكل طائفة تبدع الأخرى غالبا ، أو تتهمها بالتخلف والسطحية وتمييع الدين

عبده المتدين يدعو على الظالمين ، ويدعو لنفسه بالنجاح والنصر ، ويدعو لأمة الإسلام في قيام الليل ، ثم ، جزاه الله خيرا ، يذهب لعمله متأخرا في الصباح ، ويقضي يومه في جلسات الغيبة وانتقاد أصحاب البدع ، الذين طبعا لا يسمعون كلام الشيخ ، أو كلامه هو ، ثم يظن أن التدين ينحصر في هذه الدروشة التي لا تسمن ولا تغني من شيء .

عبده المتدين ، يعلق دوما شعارات : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، ويسمي حسابه على فيس بوك : المستغفر بالأسحار ، ويملأ الدنيا ضجيجا لأجل الرسوم المسيئة ، ثم يجد أن طاقته قد استهلكت في الصراخ والولولة ، فلا يفعل شيئا جديدا ، هذا يكفيه جدا .

عبده المتدين يصدق أي شيء تربطه له بالدين ، الطائرات لا تحلق فوق الكعبة ولا تستطيع ، لقوة طاقة الكعبة الهائلة ، الطماطم التي وجدوا عليها لفظ الجلالة ، السحاب يرسم صورة المصحف في السماء ، ولو كان متصوفا فالكرامات والمقامات ومدد ياسيدي مدد ، والحجامة عند عم عبده المزين تشفي أمراض الكون لأنها سنة ، عبده المتدين لا يفكر لحظة واحدة قبل ضغط زر الشير لكل هذا ، بلا تفكير .

عبده المتدين ، إذا فتح محل عصير سيكتب عليه : وسقاهم ربهم شرابا طهورا ، أو اشترى سيارة أجرة ، سيكتب عليها : أميرة – محمد – وكان أبوهما صالحا ، وهكذا وهكذا ، والأكبر الكارثة أنه سيكتب على محل الكاوتش : خلق الإنسان من عجل ، وعلى محل الخياطة : وكل شيء فصلناه تفصيلا .

عبده المتدين سيقرأ كلامي هذا ، ثم يتهمني بالزندقة وتمييع الدين ، ويتذكر أنه رأى لي صورة تجمعني بفتيات متبرجات ، فيعتبر أنه لا ينبغي أن يسمع لي أصلا ، ثم سيجد الكلام عن الدين ، فيرى أن من واجبه أن ينشره ، نصرة لدين الله .

عبده المتدين

عن عبد الرحمن المكي

عبد الرحمن المكي
مدرب لمهارات اللغة عربية

شاهد أيضاً

لا تَهِمْ على خيوط العنكبوت

ثمة تسارعٍ مهيب في العلم على سطح ذرةٍ غبارفي هذا الكون الذي يتكور في عرش …

تعليق واحد

اترك تعليقاً