#على_فكرة تنشر عرضًا موجزًا لكتاب #كل_رجال_السويس ح1

كتاب كل رجال السويس

لماذا السويس؟

طوال 42 عامًا اقتصر الحديث عن السويس في يوم” 24 أكتوبر”، حينما تصدى أبطالها للجيش الإسرائيلي، وصنعوا ملحمة السويس العظيمة. لم يكن مسموح لهؤلاء الأبطال من فدائيي السويس أن يظهروا في وسائل الإعلام، إلا أثناء احتفالات أكتوبر وبشكل محدد، لا يتحدث عنهم ولا عن بطولاتهم إلا القليل.

الرئيس الأسبق حسني مبارك ظل طيلة حكمه يروج إلى أنه الوحيد صاحب انتصار أكتوبر، بينما هو كان قائد للضربة الجوية الأولى التي تكونت من خمسة آلاف طيار وليس مبارك فقط.

يقول المؤرخون دوماً «أن لكل معركة أبطالها»، لكن التاريخ عودنا في بعض أحداثه أنه في وقت  الحرب يكون هناك أبطال يضحون بدمائهم في سبيل رفعة الوطن، لكن غيرهم من «سماسرة» الحروب هم الذين يستفيدون من تلك التضحيات وتوزع عليهم غنائم المعركة، وفي معارك كثيرة، أغلق التاريخ أبوابه على من ضحوا بدمائهم في سبيل رفعة أوطانهم ، بينما أظهر من لم يشتركوا في المعركة باعتبارهم «أبطال».

بعد انتصارات عام 1973، اعتاد الرئيس الراحل أنور السادات أن يصّلي كل عيد فطر في مدينة السويس، تقديرًا لما قدمه شعبها من تضحيات في ذلك اليوم.

ففي هذا اليوم «24 أكتوبر» قدمت السويس ملحمة وأبطال لم يعرفوا الاستسلام، والآن وبعد مرور 42 عامًا على الحرب تغيرت الملامح تمامًا عن «بلد الغريب»، لكن الأحاديث عن المقاومة والفداء لا تزال تروى لكل الأجيال، ولا تزال جدران مسجد الشهداء الذي كان مقر المقاومة الشعبية بالمدينة ‘((حافظة))  لأسامي شهداء حرب السويس في هذا اليوم.

معظم أهالي السويس حتى الجيل الجديد يعرفون جزء من هذه التفاصيل التي توارثوها جيلًا بعد جيل، غير أن تفاصيل التفاصيل لا يعرفها إلا القليل وبالأخص القريبين من مجموعة الفدائيين أعضاء منظمة سيناء العربية، هؤلاء الأبطال الذين قادوا المعارك وقت الحرب.

حينما تجلس مع فدائي بصفتك صحفي توثق شهادته التاريخية، ستحصل على معلومات أشمل وأهم من كونك مواطن عادي يسمع حكايات هؤلاء الفدائيين مرة كل عام في حال قررت المحافظة تكريمهم على الأدوار البطولية التي قدموها.

عندما حكى لي البطل «محمود عواد» كيف بدءوا الانضمام للمقاومة الشعبية بعد ساعات من نكسة يونيو، والأماكن التي بدءوا فيها التدريب القاسي الذي استمروا فيه أيامًا طويلة، استنتجت لماذا قام هو وزملاءه «إبراهيم سليمان»، «مصطفى أبو هاشم»، «محمود طه»، «سعيد البشتلي»، «أشرف عبد الدايم» وسبعة أبطال آخرين من رجال المقاومة بتنفيذ عملية وضح النهار والتي أسفرت عن أسر جندي من جنود العدو ومقتل تسعة إسرائيليين بينهم  ضابط  بهذه السهولة والسلاسة.

عملية وضح النهار

في أواخر عام 1969، كانت العمليات الفدائية التي يقوم بها جدعان السويس منذ نكسة يونيو ملئ السمع والبصر، كل بضعة أيام عملية في عمق سيناء ضد العدو الإسرائيلي، وذاع صيت أفراد منظمة سيناء العربية الذي يقودهم جهاز المخابرات الحربية، وقتها قررت القيادة العامة للقوات المسلحة تنفيذ عملية عسكرية داخل سيناء، تحديدًا في المنطقة المقابلة لمنطقة «بور توفيق» شرق قناة السويس.

لم ينتظر الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» كثيراً، فقد كان يتابع تفاصيل تلك العملية بنفسه، حيث أرسل أحد رجال الحرس الجمهوري الخاص به وهو العميد «حسين دراز» إلى السويس ليقود مجموعة الفدائيين من منظمة سيناء العربية في تلك العملية، كان «محمود عواد» و«مصطفى أبو هاشم» و«إبراهيم سليمان» و«حلمي شحاتة» و«محمود طه» و«أشرف عبد الدايم» و«سعيد البشتلي» و«عبد المنعم قناوي» و«محمد سرحان» و«أحمد عطيفي» وزملائهم، هم أفضل رجال الفدائيين في تلك الفترة، وكانوا مجموعة واحدة  لا تتعدى خمسة عشر فردًا، توكَّل إليهم أخطر الأعمال الفدائية ضد العدو.

وصل العميد دراز إلى عواد ورفاقه وبدءوا التدريب للعملية بسرية تامة، في أحد المناطق القريبة من ميناء «العين السخنة»، والتي طالما تدربوا فيها على معظم عملياتهم الفدائية التي قاموا بها، العملية كان هدفها العبور للضفة الشرقية من القناة، وتدمير دورية إسرائيلية ورفع  العلم المصري على سيناء، والرجوع بأسير إسرائيلي على الأقل لضرب العدو معنويًا.

قبل يومين من تنفيذ العملية تواجد الفدائي محمود عواد وزميله مصطفى أبو هاشم، أمام المنطقة التي سينفذوا العملية الفدائية بها، لكنهم سمعوا أصوات غارات وآليات عسكرية إسرائيلية تتحرك على الجهة المقابلة لهم في سيناء، مما ينبئ بحدوث غارة عليهم من العدو، فسألوا قائد الوحدة، الذي أخبرهم أن هذه الأصوات مستمرة منذ عدة أيام، والوحدة في حالة استعداد تام.

وقتها  كان كل المتواجدين في الوحدة العسكرية من جنود وضباط وضباط صف متأهبين بلا نوم منذ فترةٍ  طويلة، استعدادًا لتلك الغارة، لكن «عواد» و«أبو هاشم» استأذنوا قائد الوحدة بعبور قناة السويس في جنح الظلام، ليستطلعوا حقيقة تلك الأصوات، وطلبوا تأمينهم بالمدفعية لحين عودتهم إلى الضفة الغربية للقناة مرة أخرى.

كيف قاد «عواد» زملاءه الفدائيين لتحقيق كل هذه الانتصارات في معركة كبريت الأولى ومنع احتلال القوات الإسرائيلية للجزيرة الخضراء؟، كيف قادتهم تلك المعارك للتصدي لقوات العدو الإسرائيلي يوم 24 أكتوبر في معركة الأربعين؟، كيف قتل «عواد» بيديه قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية وقت حصار إسرائيل للسويس، بعدما أطلق قذيفة من سلاحه الآر بي جي على سيارة القائد الإسرائيلي، لكنه الآن وبعد أن تجاوز عامه الـ 76، ضعف بصره، وأصيبت قدماه حتى أنه يجد صعوبة في الحركة، ولا أحد يسأل عنه سواء كانت الدولة أو منظمات المجتمع المدني أو حتى قيادته في الجيش التي طالما ضحى بروحه فداءًا لتنفيذ أوامرها.

عن محمد أبو ليلة

محمد أبو ليلة
صحافي

اترك تعليقاً