الرئيسية / رأي / عبد الرحمن المكي يكتب: لا بد أن يكون لي رأي في هذا

عبد الرحمن المكي يكتب: لا بد أن يكون لي رأي في هذا

لقد تحدث وزير التربية والتعليم عن نظام جديد، تبا، لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

هكذا يحدث المصري نفسه شاعرا بالتورط

 

نعم، متورط لأنه لا يستطيع السكوت، لم يخلق بعد ذلك المصري الذي يستطيع السكوت، وفي نفس الوقت لا يطيق قراءة كل ذلك البرنامج وفهم محتواه وفلسفته القائم عليها، وحتى إن قرأ، فإنه لا يعرف هل هذا صواب أم خطأ، ولكن ….

 

تبا، لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

حسنا، البعض سيتصرف بمنطق: حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط

 

سيثور على النظام الجديد ويشتمه لأن مقدمه هو طارق شوقي الذي يكرهه ويكره حكومته، بينما لو قدمه وزير آخر في حكومة أخرى لأشاد به واعتبره أعظم نظام تعليمي في العالم، نعم، ليس الأفضل فحسب، ولكنه الأعظم، إن التعبير بالأفضلية يبدو مبتذلا أمام هذا النظام البديع الذي لا ينطق عن الهوى

 

البعض الآخر سيحاول أن يبدو محايدا، صحيح أنه لا يملك العقلية التحليلية، ولكن ….

 

تبا، لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

سنتحرك هذه المرة بمنطق: من جاور السعيد يسعد

 

ابحث عن شخص فيسبوكي عميق، كثير المتابعين، سليط اللسان على مخالفيه غالبا، إنه بالتأكيد أنسب من يمكن نقل كلامه، وليس مشاركته، وبعد أن يقرأ الناس الرأي كاملا وهم يحسبونه قولك، أعطهم في نهايته كلمة: منقول، أو إن شئت أن تبدو صاحب ثقافة عالية فضع cpd رغم أن المقال كله بالعربية، لكن لا بأس بقليل من التحذلق الفارغ، هذا يضيف عمقا إلى عمق المقال المنقول

 

البعض الثالث سيتصرف بطريقة: إثارة الأسئلة أهم من منح الإجابات، صحيح أنه قد يثير أسئلة تافهة من عينة: ترى، ما نوع التابلت الموزع على الصف الأول الثانوي، هل هو لينوفو أم واوي، وهل سيظل موعد المدرسة كما هو في الثامنة صباحا، أم سيصير في الثامنة والربع، وما نوع اصطباحة وزير التعليم، هل هي أفغاني فاخر، أم اصطفة خليك أقوى من صلاح، أم خليط بينهما، وهكذا

 

لماذا كل هذه الأسئلة التافهة؟ لأنه: تبا، لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

البعض الرابع سيتبع منهج: الحكومة لا تأتي بخير، كل ما تقوله الحكومة (أي حكومة) فهو هراء ويصب في المصلحة التي لم تعد تحتمل مزيدا من الصب، ووزير التعليم يتهته في الثاء، ويسقط الرئيس القادم، والفقير هو من يتحمل العبء في كل وقت، ولو كان عميقا أكثر فسيتحدث عن تواطؤ الرأسمالية العفنة في مواجهة البروليتاريا البرجوازية التي تحاول تكوين بؤرة متكوكبة في فضاء لولبي متقعر الاحدوداب، وتسقط الحكومة حرة مستقلة، وهذا النوع طبعا يختلف عن النوع الأول، النوع الأول يسب الحكومة التي لا يحبها فقط، هذا النوع يسب فكرة الحكومة ذاتها من منبعها

 

تبا، لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

البعض الخامس عكس الرابع، دائما قرارات الحكومة صائبة أيها الأوغاد كارهو الاستقرار وأعداء الوطن، أنتم قاصرو التفكير لا ترون أبعد من أقدامكم المتشققة، وهذه خطة سينتفع منها الأجيال القادمة التي ستبني الوطن

 

طبعا في بلادنا لا تنتفع الأجيال الحالية أبدا بشيء، الكل يعمل من أجل الأجيال القادمة فحسب، لماذا؟ لأنها حين تقدم لن نكون هنا أصلا لنتلقى حسابنا حول ما دمرناه، لذلك فهم عميل مضمون الصمت إلى أن نأخذ ما نريد ثم نرحل

 

لكن أصحاب هذا الرأي سيتعصبون له وينافحون عنه، لماذا؟

 

قد صار هذا مملا وواضحا، طبعا لأنه لا بد أن يكون لي رأي في هذا

 

البعض السادس سيكون مزيجا من نوعين أو ثلاثة مما سبق، سينقل سب الحكومة من فيسبوكي عميق، أو يثير الأسئلة التي دبجها كاره للحكومة، أو يتحيز للشعب من الأجيال القادمة مثيرا أسئلة نقلها من فيسبوكي عميق فيشتم الحكومة ثم يمدحها، وهذا النوع يعرف جيدا أن ما يقوله هراء، لكنه يكتبه لأنه: ……………….في هذا

 

البعض السابع والأخير، لا بد أن يكون السابع هو الأخير طبعا، فإن لرقم سبعة سحرا إقناعيا لا يقاومه إلا زنديق جاحد.

 

السابع سيلبس عباءة الساخر العليم ببواطن الأمور، الذي يفضل الصمت لأن: صمتي لا يعني جهلي بما يدور حولي، ولكن ما يدور حولي لا يستحق الكلام، وهكذا وهكذا، ثم يشرع أزرار لوحة مفاتيحه اللمسية، ويتهكم على الجميع ويتهمهم بالسخف، وأنهم يتكلمون فقط لأنهم لا بد أن يكون لهم رأي في هذا، ثم يذيل كلامه بتوقيع فخم، ويتبعه بالتاريخ من باب التوثيق، ثم يخلد إلى نومه فرحا بما أتى وقدم، مطمئن البال ناعم الضمير، ويفكر في سخرية جديدة من هذا المجتمع البائس

 

ستقوم بمشاركة كلامي غالبا، ربما دون أن تقرأه أصلا، لكنك ستفعل، لماذا؟

لأنه: تبا، لا بد أن يكون لك رأي في هذا

عن عبد الرحمن المكي

عبد الرحمن المكي
مدرب لمهارات اللغة عربية

اترك تعليقاً