محمد خالد - صحافي وكاتب من مصر

رحلة في عقل أوباش الصحافة.. عبد القادر أفندي نموذجًا (1)

 

محمد خالد - صحافي وكاتب من مصر
محمد خالد – صحافي وكاتب من مصر
الركاب الأفاضل. اربطوا الأحزمة. استعدوا. دقائق وتقلع رحلتنا رقم “1” المتوجهة لعقل الأوباش. وسوف نهبط هذه الليلة في “مطار عبد القادر أفندي”، حيث تنتظرنا العديد من المفاجآت. مسموحٌ لكم بتجاوز الخطوط الحمراء، يمكنكم استخدام الأنف والحلق في إصدار أصوات تليق بالمقال والمقام. كما يمكنكم -آنساتي سيداتي سادتي-  استخدام أصابعك (لاسيما أوسطها) للتحية التي تليق بأهل المهبط الذي نحن بصدد الذهاب إليه.
ملاحظة (1): هنا قد نتخلى قليلًا عن لغتنا العربية الجميلة. قد نستخدم لغة الغوغاء. فلكل مقام مقال. وعامل الناس على قدر عقولهم. والعقل الذي نحن بصدد زيارته اليوم يليق به حديثٌ سوقي متدني.
ملاحظة (2): هذه مشكلتك! لا تسألني أبدًا عن عبد القادر أفندي، أو من يكون؟ فهل يخفى القمر؟ لا تُشعرني -عزيزي الراكب المحترم- بأنك تملك قدرًا من البله والعته والسذاجة والجهل بما يجعلك لا تُدرك ماهية “عبد القادر أفندي”.. لا تهرش برأسك، رجاءً.
على بركة الله. الآن موعدنا مع الرحلة الأولى في عقل أوباش الصحافة، والبداية مع صاحب المواطي (عكس معالي في قاموس الزنتريبي بن عبد المتعال المتدحرج) عبد القادر أفندي. ذاك الذي بدأ حياته غير عادي، بل غير عادي بالمرة. مُذ نعومة أظافره كان يسعى للفت أنظار من حوله، حتى لو كلفه ذلك أن يقوم بحركات وتصرفات شاذة غريبة يُدرك بلاهته فيها وأن الجزاء الطبيعي أن يحصل على عقاب مُعتَبَر، لكن لم يكن يهمه ذلك. المُهم أن يلفت الأنظار، حتى لو بدا أبلهًا عبيطًا متخلفًا كأن يخرأ في صحن الطعام أو يصدر انبعاثات ذات رائحة كريهة وسط الجمع أو يبول في الثلاجة!
عقب أن سال “بربورًا” من أنفه فخطّ خطًا تحت الأنف ظنّ أنه “شنب” وأنه ها قد صار رجلًا ملو هدومه، أدرك “عبد القادر أفندي” أن تصرفات الصبية لم تعد تليق به، وأن آلياته القديمة للشهرة ولفت الأنظار لم تعد تتناسب مع صاحب “البربور” المتحجر كشارب. فأضحى يفكر في السبل كافة التي تجعل منه لافتًا للأنظار.
فتح قميصه حتى سُرته، أبان شعيرات صدره المعدودات للفت أنظارهن.. لكن ذلك لم يكن جُل ما يربو إليه، فهو ليس بساعٍ فقط للفت أنظار الجميلات مثله مثل أي رجل شغوف بإغواء الحلوات. هو يطمح لما هو أبعد من ذلك الشهرة والمجد، أن يعرف الناس اسمه وأن يذكروه، أن يكون موجودًا في الأحاديث اليومية وتردد الألسنة في الردهات قوله ويفتحون مجالًا للنقاش حوله، أن يكون جزءًا من التاريخ نفسه! ظن –الموكوس- أن التاريخ يفتح أذرعه فقط للنجباء أصحاب الأفكار الخلّاقة، أولا يعرف أن التاريخ به مزابل؟
المُهم. أدرك صاحبنا الطريق. ذلك الطريق الأسرع للشهرة، وقد وجد في الإعلام مسارًا لتحقيق جُل ما يربو إليه. الإعلام يصنع أبطالًا ويُصدِّر للناس صور الأوباش على أنهم عظماءٌ كبار مادام “أسيادنا راضيين عليهم”.. بدأ العمل الإعلامي بشقيه الأكاديمي والعملي. وانتهج نهجًا صفراويًا باقتدار. وقد كان يربو لتخطي الصفار لمرحلة أكثر خراءً من ذلك، مرحلة الصفار المقنع.
خاض في كل مواطن الجدل، لا تستطيع أن تلتمس له موقفًا محددًا أو تخصصًا معينًا. ففي السياسة كتب وفي الدين أفتى وفي الفن تحدث وفي الاقتصاد هرى هريًا فهو هراي، وفي كل المجالات خرأ وبال وأصدر انبعاثاته كما اعتاد. لم يكن هنالك قاسم مشترك بين تلك المجالات بالطبع، إلا قاسم واحد فقط وهو تبنيه في كل مقال لوجهة النظر التي تدعم رغبته في إثارة الجدل أو ذكر اسمه عمّال على بطّال. كأن يهاجم نجمًا عالميًا شهيرًا معجبوه بالملايين مثلًا، فمجرد أن يفعل ذلك ينتفض الملايين متسائلين عن ذلك الجرثومة الذي يهاجم نجمهم، ورغم ما يتعرض له من هجوم، فقد كسب أن ملايين عرفوا اسمه، هذا يكفيه لعلاج عقدة نقص ربما في حياته!
يجد صاحبنا مُتعة شديدة في أن يجد اسمه متداولًا وتصحبه اللعنات. يكفيه أن يكون متداولًا ومشهورًا بوقاحته مثلًا، فهو يؤمن بإيمان أهل الحق وهو باطل وابن باطل ولو سألتك أنت إيه قولي باطل بأنهم “في البداية يهاجمونك ويشتمونك.. وفي الأخير تنتصر”، يجد لذة غريبة كماسوشي أعوج مضطرب في أن يجد الناس يسبونه ويلعنون أفكاره وخرائه اليومي.. مادام ذلك لا يُغضب منه السلطان فهو لا يبالي.. “إن لم يكن بك عليّ غضب يا صاحب الكرسي فلا أبالي” هكذا يعتقد.
آمن صاحبنا عبد القادر أفندي بأنك عندما تصدم الناس في معتقداتهم والأشياء التي يفضلونها وتُحاول أن تشوهها أو تجد ثغرة لإفسادها، فأنت بذلك تصنع جديدًا يجعلك بطلًا، جديد لن يفهمه أولئك سوى بعد مائه عام، ربما تكون قاسمًا أمينًا جديدًا! لكن شتان بين قاسم المُصلح وعبد القادر المُفسد. عبد القادر أفندي يهري في كل شيء.. كل شيء بالنسبة إليه قابل للهري والتشكيك مادام سوف يجني منه نصيبًا من الشهرة والسب، فكلما زاد الذين يسبونك زادت شهرتك، وزاد الأفاقون مدعو الفضيلة المدافعون عنك!
بدأ عبد القادر طريقه على ذلك النحو، أن يصدم الناس في معتقداتهم والأشياء التي يحبونها، يصدمهم بتبني وجهة نظر أخرى –عن قناعة منه ربما- حتى تحول الأمر تدريجيًا إلى رغبة في التشويه المتعمد وتبني وجهة النظر المثيرة –حتى لو لم يكن هو شخصيًا يؤمن بها- لكن يتبناها من باب جني ثمار الشهرة. وحتمًا يظهر له مريدون من تحت طأطئ الأرض، نصفهم راغبو شهرة مثله، والنصف الآخر يريدون “حَسنة” كفرصة عمل معه أو تقربًا للسلطة أو ما شابه، و”اللي يجي منه أحسن منه”.. أولئك المريدون هم عُباد قادر صغار. يشقون طريقهم في نفس طريقه. فنحن على أعتاب أجيال كاملة قادمة تسير على نهجه!
جميل أن تجتهد وتصدم الناس في معتقداتهم كي يعيدوا التفكير فيها، نحن في أمس الحاجة لإعادة التنقيب في أصول الأشياء والمعتقدات الخاطئة التي نغرق فيها. لكن “عبد القادر” يفعل ما يفعله على وقع حلمه الخاص بأن يكون موجودًا على الساحة. تشكيك من أجل التشكيك. فذاك الولد الذي كان يخرأ بصحن الطعام للفت الأنظار. الآن كبر وصار يخرأ بالصحافة، بالمجتمع! ثم صار ظاهرة. ظاهرة تُمثل انعكاسًا لوضع مجتمع بزغ فيه الخليل كوميدي وأحمد التبّاع وصاروا نجومًا.. حتى “عبد القادر أفندي”.
أيها السادة الركاب.. حرصًا على سلامتكم. فلقد قررنا قطع الرحلة قليلًا هنا. الانبعاثات التي يصدرها “عبد القادر أفندي” نافذة وكريهة، وتهدد الحياة.. سوف نُحاول أن نهبط في مطار آخر، ربما لن تكون فيه انبعاثات قاتلة. لكنه مكان للأوباش.. فنحن ضيوف لديهم وفي عصرهم.. بعد قليل تقلع رحلتنا الجديدة.. انتظرونا.

 

عن محمد خالد

محمد خالد
صحافي وكاتب من مصر

شاهد أيضاً

القصص الخبرية ذات البعد الإنساني

للصحفيين الذين يساهمون في تدفق كل هذا الكم اللامعقول من الانباء، التي لا يمكن أن …

اترك تعليقاً