الرئيسية / رأي / الناس مبسوطة!
محمود جمال - حكم عليه بـ 5 سنوات و100 ألف جنيه ضمن عشرات الشباب بتهمة التظاهر بدون تصريح يوم 25 أبريل 2016 ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

الناس مبسوطة!

محمود جمال - حكم عليه بـ 5 سنوات و100 ألف جنيه ضمن عشرات الشباب بتهمة التظاهر بدون تصريح يوم 25 أبريل 2016 ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
محمود جمال – حكم عليه بـ 5 سنوات و100 ألف جنيه ضمن عشرات الشباب بتهمة التظاهر بدون تصريح يوم 25 أبريل 2016 ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.
صوت عجلات سيارة الأمن المركزي تبشر بدفعة جديدة من المعتقلين، يسترق النظر شاب صغير من خلف سور “البلكونة” الكبيرة في القصر القديم، التي هي قسم شرطة الدقي، حيث يُحتجز عشرات الشباب لحين وصول ضباط أمن الدولة للتحقيق معهم، يهمس بيقين في زملائه أنه بالتأكيد “معنى أنهم لسه بيقبضوا على ناس أنها والعة. الناس مش هتسيبنا هنا”، كنت منشغلًا حينها بسيناريوهات أكثر تشاؤمًا، وربما أكثر واقعية.
أنا أيضًا قضيت 48 ساعة مع صديق الطفولة محمود جمال في ذات القسم اتأرجح بين التعلق بين آمال واهية في الخلاص من الكابوس الذي نعيشه، وبين الوقوع في دوامات اليأس، قادتني صدفة ما، أو لنكن أكثر صراحة: قادني مزاج الضابط الذي حقق معي إلى خارج أسوار القسم في النهاية بينما أبقوا على صديقي ضمن “المتهمين”.
لا يكاد أن يمر أسبوع قبل أن تُحال قضية تظاهر مجموعة الدقي، ضمن 3 قضايا أخرى في القاهرة، إلى القضاء. لا يكاد يمر شهر وكنا نحن أصدقاء وأهالي المعتقلين نتوافد على بوابة معسكر أمن مركزي في الكيلو 10.5 حيث يحتجز اصدقائنا، ويترافع محاميهم أمام قاضي انتقل بنفسه إلى مقر المعسكر، نقف في الشمس ودرجة الحرارة لا تقل عن 43، أري والد صديقي وهو يصرخ في السماء طالبًا العدالة، انزوي تحت سور المعسكر الذي لا يحجب كثيرًا من أشعة الشمس، لكنه يداري دموعي وأنا أرى بعين خيالي أمي في سيدات تحرقهن لوعتهن على أبنائهن المعتقلين والذين ربما كنت واحدًا منهم.
أتلهى أنا والأصدقاء في أحاديث فارغة بينما نقضي اليوم الطويل في مول تجاري شهير قريب من المعسكر، نعبث في هواتفنا، نتخيل ما يمكن أن نعده لمحمود صديقنا المعتقل فور أن يخرج، استعيد شريط الأحداث، السيارة التي ركنها محمود في شارع الدقي قبل أن نترجل ونستطلع تعامل الأمن مع مسيرة لم تكد تتحرك، البلطجية الذين اعتدوا علينا على مسمع ومرأى من الشرطة، الأحاديث القصيرة خضتها مع محمود أثناء احتجازنا، مراجعاتي لمواقفنا التي اتخذناها منذ إندلاع الثورة، والتي تنتهي إلى أننا لم نرتكب جريمة نستحق عليها كل هذا التنكيل.
اتذكر المسيرات التي شهدتها منذ 5 سنوات، وأنا في المول الذي لا تصله الأسر الصغيرة إلا بسيراتهم الملاكي، ليقضوا يومًا بين تناول أحدى الوجبات السريعة، والترفيه عن ابنائهم في الملاهي الملحقة بالمول، أشعر أن الثورة لم تقم، وأن هؤلاء لم يسمعوا عنها، أو ربما مرت أمامهم كخبر عارض في نشرة أخبار لا يفضلون متابعتها.
لم أشعر بسوء أبدًا تجاه من لم يقفوا خلف الثورة، لكني أردت في هذه اللحظات التي كنت أسمع فيها الموسيقى الصاخبة التي تتردد في أنحاء المول التجاري، صياح الأطفال، وأحاديث أهاليهم المتداخلة حول الموائد في الكافيهات الفاخرة، أن لا يغيب عن بالهم أن محمود ومئات من الشباب غيره في هذه القضية، بل وآلاف في السجون، يعانون من الظلم لا لشيء سوى أن لديهم رأي رغبوا في التعبير عنه، أن هناك من تنتظره ابنته مثل ابنائهم ليأخذها في نزهة، فتاته ليتزوجها، وربما لجنة امتحان يخلو مقعده فيها.
كانت طموحاتنا تتداعى مع الوقت الطويل الذي يمر ببطء، من الحكم ببراءة “المتهمين” من حب وطنهم وإخلاء سبيلهم ليمضي كل واحد منهم إلى حال سبيله دون النظر ورائه إلى الوطن الذي يباع بالقطعة، إلى حجز القضية للحكم وإخلاء سبيل اصدقائنا واخوتنا على ذمة القضية، أن يمضوا ولو أيام – قبل النطق بالحكم – مع ذويهم الذين تذيبهم نار القهر لا أشعة الشمس التي صارت تعرف رؤوسهم المحنية جميعًا من فرط ما انتظروا تحتها الأبناء والأخوة.
كنا نرضى بالأقل، كنا لنصبر أيام وربما أسابيع، بعكس القاضي الذي لم يرضى إلا بتوقيع أقسى عقوبة “حبس 5 سنوات وغرامة 100 الف جنيه”. لم يرضى هو – أو شخص ما يقف في الكواليس – إلا بإقامة مأتم كبيرة على أعمار أصدقائنا وأخوتنا التي ستضيع في ظلام السجون، ولن تُذكر إلا في شريط الأخبار كرقم، ربما لن يلتفت إليه أحد.
لا أعرف ما الذي جعلني أتذكر حينها الشاب الذي أكد في القسم على أن الناس لن يتركونا! ما الذي جعلني اتذكر هتاف أحدهم “يا أهالينا انضموا لينا”! أين هما الآن؟ أين الناس؟ أين أهاليهم؟

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

قبيل لقاء سلمان بأوباما هيومان رايتس ووتش توجه هذه التهم للسعودية

وجهت منظمة هيومان رايتس ووتش المعنية قائمة بالاتهامات ضد المملكة العربية السعودية قبيل لقاء مرتقب …

اترك تعليقاً