عيد الحب المصري يوافق 4 نوفمبر بخلاف عيد الحب العالمي الذي يوافق 14 فبراير

إن هو إلا «حُبٌ يُوحىَ»

عيد الحب المصري يوافق 4 نوفمبر بخلاف عيد الحب العالمي الذي يوافق 14 فبراير
عيد الحب المصري يوافق 4 نوفمبر بخلاف عيد الحب العالمي الذي يوافق 14 فبراير

لقد صار للحب عيد؛ لأنه مفقود، والمفقود مطلوب ومرغوب؛ فطوال عدة قرون كان الناس ولا يزالون يهربون من الحب إلى الأديرة والجبال والصحراء، فقط لتفادي كل فرص نمو الحب، حتى إنهم عاشوا العزلة في الكهوف خائفين من الحب، باعتبار أنه يصنع الكثير من الارتباك والمشاكل، والحياة دون حب فيها شيء من الهدوء، لكن ذلك الهدوء بارد ومميت.

 

نعم هناك صمت، لكنه صمت القبور، ليس فيه أي لحن أو فرح وليس له قيمة، فعلى المرء أن يحوّل طاقة الحب إلى صلاة، وهذا غير ممكن بالهروب منه، بل يجب عليك أن تدخل في عاصفة الحب وقصصه كلها، وأن تبقى يقظًا واعيًا ومراقبًا؛ بحيث يبقى الاضطراب محيطًا بك، لكن دون أن يصل إلى مركزك الصامت الصامد في سكينة وسلام.

 

إن الحب يمنحنا الحرية من كل ارتباط؛ فعندما تحب تكون في وفاق واتفاق مع كل ما حولك، ترتبط به ارتباطًا دون أن تُربط، ولكن ارتباطنا بالحب صار انحطاطًا؛ فالمرأة تحطُ من شأن الحب عندما تُقيد حبها للرجل، وكذلك الرجل على حد سواء.

 

لذا, فإننا نلاحظ أن الحرية في الحب ما بين المرأة والرجل أصبحت عبودية؛ فالحب تاج يتوج المرأة والرجل في كيان واحد، ويجعل منك ومع من وما تحب كيانًا واحدًا؛ فالحب توحيد يوحدك في إطار واحد، وسنرى معًا كيف للحب أن يسمو بنا في علاقاتنا, وعند الجنس, وكذلك في نمونا الروحي، وكيف لنا أن نتجاوز الجنس تجاوزًا تأمليًا، وبرؤية مقدسة لا مدنسة.

 

نعم؛ فالحب يمنحنا حرية لا نتقيد بها تحت أي عبودية, يوحدنا ولا يجردنا, يربطنا مع من نحب دون أي رابط، يوحدنا دون أن يقيدنا، وكذلك الأديان رأت في الحب الرابط الوحيد للتوحيد، ولكن يتوجب علينا تفهم ماهية الارتباط، ولماذا نتعلق بالأشياء لدرجة الانحطاط.

 

إن تعلقنا بالأشياء هو نتيجة لشعورنا بالخوف من فقدانها؛ إما خوفًا من أن تُسرق أو أن تُعدم أو ينعدم هذا الشيء لاحقًا.. الحب ما بين الرجل والمرأة على حد سواء، إما أن يُوحّد أو أن يُشتت، قد يُغرّب وقد يُقرّب؛ بالاتحاد مع الحب لا يصبح هناك أي فاصل بين المحبين؛ الأجساد تبقى في طي التعداد، ولكن قلوبهم أصبحت قالبًا وقلبًا واحدًا توحّد تحت شعار الحب، فقلب المُحب يرى فيمن يُحب ذاته، ونشوة الحب هي كالغيمة التي تُظل المحبين بظلها، ولا يبقى هناك أي أجساد أو أبعاد، بل إحياء بالحب وفناء فيه؛ وبذلك الفناء لن تتقيد تحت أي غطاء، عندما تتوحد مع الحب يزدهر حينها ويسمو بك دون أن يُقيدك، وتتلاشى كل مخاوفك من الغد، وستعلو بحُرية تسمو بك عن العبودية.

 

وخلال الاحتفال بما يسمى «عيد الحب» أود أن أسألكم, كيف للحب أن يعلو ويسمو بنا ونحن نُهينه، ونغلِّفه بقوانين، نعدمه ولا ندعمه، ونربطه بأيام بعينها خلال السنة، في حين أن الحب لا يمكن وضعه تحت أي قانون؟؛ فالحب قانون في حد ذاته، والقانون لأولئك الذين لا يعرفون كيف يحبون، إن الحب هو الحرية الوحيدة الذي حررنا من كل ارتباط؛ لأنه عند الحب تحيا وتُحيي الحب ولا شيء عداه، وكل لحظة تحمل في طيها حبًا عظيمًا، وحتى إذا كان المحبون ليسوا على اتفاق ووفاق وتفرقوا حتى لا يكون هناك نفاق، فالحب يسمو ويعلو دائمًا كما هو دون توقف.

 

الحب ليس له أي ارتباطات؛ لأنه ليس تنازلاً وإنزالاً للكرامة، بل هو الاحترام والشرف ذاته، والحب بهجة وفرح يملأ الوجود، ولا يقتصر على الاحتفال به، إنما الحب رقصة الوجود من نجوم, وزهور وطيور، والعالم أجمع صديق صادق ومتصادق مع هذا الحب، وما إن تتفهم الحب فلن يكون هناك أي رابط أو ارتباط، وسيكون هناك عالم مختلف كليًا، وستتعايش فيه الحرية بحُرية؛ فنيران الحب تنمو مثل الأشجار، وتجلب الزهور والثمار كما تجلبها الأشجار.

 

إذا كنت متيقظًا لذلك ستنبهر وتتفاجأ من هذا الشيء، ولهذا نرى أي شخص عندما يقع في الحب يصبح إنسانًا جديدًا بكل كيانه، يمتلئ وجهه توهجًا، ويمكن أن ترى وستلاحظ ذلك في مشيته وكأنها رقصة في حد ذاتها، وكذلك ملابسه تزهو أناقة ولباقة، ويمتلئ ابتهاجًا، وسيرى لآلئ النجوم تمتلئ تلألؤًا.

 

أؤكد لك أنه عليك أن تقبل الحب، ومع ذلك يجب ألا ترتبك به، بالرغم من أنه سيجلب لك الكثير من المشاكل، إلا أنها جيدة؛ لأنها تصنع التحديات في الحياة، وعندما تتجاوب مع التحديات تنمو وتسمو.. وحتى تصل إلى غاية الحب؛ عليك أولاً أن ترمي «الأنا»، وهنا يبدأ الصراع؛ «الأنا» تتعلق بك وأنت تتعلق بها، «الأنا» تريد التحكم بكل الموضوع، والحب لا يمكن لأحد أن يحكمه أو يمتلكه، وإذا تعلقتَ بـ«الأنا» سيزول الحب، وإذا رميتها، عندها فقط يمكن له أن ينمو، هذا أول تحدٍ، وستأتي بعده تحديات أخرى.

 

وعليك أيضًا إدراك أن الحب يتطلب أعظم شجاعة وجرأة في العالم؛ لأن الشرط الأساسي للدخول في عالمه، هو إذابة «الأنا» عندك، نحن نتعلق بـ«الأنا» مثل أي شيء آخر نمتلكه، مستعدون للموت من أجلها، لكننا غير مستعدين لتركها تموت؛ لأنها تعطينا الهوية والشخصية، تعطينا كيانًا مستقلاً، تعطينا شعورًا بالأهمية، ولكن لأنها في الأصل ظاهرة مزيفة ليس لها أصل، فإن كل هذه المشاعر مزروعة في الوهم، ولهذا في أعماقنا نحن ندرك دائمًا أن الأهمية الناتجة عن «الأنا» مزيفة وسخيفة، نعرف ذلك لكننا لا نُقرّ به، ندركه لكن لا نريد إدراكه، بل نريد دومًا التغاضي وإغماض عيوننا الداخلية عنه، وهذه مصيبة البشرية.

 

ربما تكون قد تذوقت قطرة من الحب، وعشت مطولاً دون أن تشعر به، وهذا مؤشر على أن الحب الأول كان مُرًّا ولم يتعدَّ طعمه لسانك، والملايين من الناس يشعرون في أعماقهم بأنه من الأفضل لو ظلوا متوحدين مع أنفسهم ولا انزعجوا وأزعجوا أنفسهم بالحب، وهذا لأنهم لم يفهموه بشكل صحيح، وإنما أفقدوه حريته، وهذه الحالات لا تُحتمل على الإطلاق؛ فالحب لا يجب أن يكون مسجونًا إذا كانت هناك رغبة في أن يترافق الرجل والمرأة في توافق معه.

 

ولطالما تحدث الناس عن الحب، ووقفوا عند هذا الحد ولم يجتازوه ولن يتجاوزوه إلى أبعد من ذلك؛ فهذا ليس حبًا، ولكن كيف للحب أن يكون أبعد من ذلك ويُطور ويتعدى علاقاتنا والجنس ونمونا الروحي؟ يمكن تجاوز الأمور هذه كلها، ولكن ليس بالكلام فقط، وإنما بالمعرفة أولاً؛ فالجنس ليس مسألة تقف فقط عند الممارسة الجسدية، بل الجنس هو طاقة لإحياء الإبداع؛ إذا ما استوعبنا أن الحب ليس التقاءً بين جسدين، بل لقاءٌ بين روحين، عندها يعلو بنا الحب ويمنحنا بصيرة عظيمة للحياة، والأحباء سيصبحون لأول مرة أصدقاء، ما عدا ذلك فلن يكونوا إلا أعداء؛ ولطالما الأديان ورجال الدين الذين حُجبوا عن جمال معالم هذا العالم، والجبناء الذين يحيون الحياة كالأغبياء، سمموا الحب وأدانوا الجنس على أنه من الرذائل وليس من الفضائل؛ فمات الحب والجنس ظنًا منهم بأنهما مرادف لكلمة واحدة، ولكنهما ليسا كذلك، فالجنس ليس إلا طاقة جسدية جزئية جدًا من كيانك، أما الحب فهو السمو والعلو وكيانك ذاته، فما إن ينعدم الحب يُعدم إحساسك وكل إبداعك، وتصبح الحياة مماتًا.

 

نعم, قد يكون بإمكانك أن تتنفس وتأكل وتتكلم، وإنما لا تنبض فيك روح الحياة، بل تعيش مللاً حتى يأتي الموت ويخلصك مما أنت فيه، فالحب يقودنا إلى المطلق، إلى التجربة النهائية، إلى الحقيقة، وهذه ليست إلا مسميات يقودنا إليها الحب في درب واحد.

 

إن الدخول في الحب، يعني الخروج من الكثير من المصائب، ورمي كل الزيف والقناع الخدّاع، وأن يصبح المرء صفرًا، لا شيء، لكن من ذلك اللا شيء يظهر شيء عظيم القيمة، يحول حياتك إلى مهرجان من الفرح والألوان، الحب العادي طلب وحاجة ومعركة، أما الحب الحقيقي فهو عطاء ومشاركة، الحقيقي لا يعرف الطلب، لا يعرف سوى فرح العطاء بسخاء، الحب الحقيقي غذاء يقوي الروح، لذا عليك أن تكون خادمًا للحب الحقيقي؛ أي خادم للحب في نقاوته القصوى، ولا تربطه بزمان أو مكان أو أعياد، أعطِ وشارك مهما كنت وكانت حالتك، المشاركة متعة كبيرة فلا تُضع أية فرصة.

 

وعندما أقول، «كن خادمًا للحب»، لا أقصد أن تصبح خادمًا لشخص تحبه، ولا أن تصبح خادمًا للحبيب، بل أقصد أن تصبح خادمًا للحب.. الحب المجرد بحد ذاته هو المعبود والمطلوب، وليس المحبوب؛ لأن المحبوب هو فقط أحد أشكال تلك الفكرة النقية المتجسدة؛ فالزهرة فكرة معينة، والقمر فكرة أخرى، وحبيبك فكرة أيضًا.

 

لذا فإن الحب هو التجربة الوحيدة التي تتجاوز المكان والزمان؛ ولهذا لا يخاف العشاق من الموت، فالحب لا يعرف الموت، إن لحظة حب واحدة أهم من كل الزمن والأزل، ولا تزول في أي زوال، فهو كل كيانك ووجدانك، الحب هو روحك.. والمحبة هي الله.

 

وإذا أدركتَ أن الحب هو جوهر وجودك، وأحببتَ شخصًا ما كصداقة عميقة، وكرقصة بين قلبين منسجمين بتناغم يكاد يجعلهما قلبًا واحدًا، عندها لن تحتاج إلى أي شريعة أو لاهوت أو روحانية أو أعياد، لقد وجدت كل شيء وعشته، ومن لم يعرف الآخر في لحظات الحب العميقة وفي أقصى هيام وغرام وفي نشوة تطير فوق الأكوان، فلن يكون قادرًا على معرفة نفسه ولا معرفة ربه؛ لأنه سيكون مفتقدًا إلى المرآة، وإلا فكيف يستطيع أن يرى صورته المنعكسة بدون المرآة في قلب وعيون الآخر؟!

 

وفي الختام، علينا جميعًا أن نزرع حَبَ الحُب في كل درب.

عن مصطفى الأسواني

مصطفى الأسواني
صحفي وروائي مصري مهتم بالشأن الخارجي، لا أسعى لإرضاء الرأي العام. أعشق أسوان.

شاهد أيضاً

سارة حمدي تكتب: أبيض وألوان وأسود

كان المدخل مفتوحًا ويسهل لأي شخص الدخول. وقفت أمام الباب وفتحته ثم دخلت. وجدت أناسًا …

اترك تعليقاً