الدكتور أحمد خالد توفيق في حوار له ببرنامج وصفوا لي الصبر

أحمد عبد الفتاح يكتب: الأسطورة الأخيرة

أنا واحد مِنّ ضِّمْن هَؤُلاَءِ -الأتعس حظًا- الَّذين لم يَلْتقوا بهِ عَن كَثب، هؤلاء الَّذين لَم يُصادفوه إِلاَّ بين طيات أوْراقه الصَّفْرَاء؛ حين يَغْدَرُ العالم بِقُلُوب الْمُعَذَّبِينَ ويضيَّق بهم، يَرُدَّهُمْ هو عَن حافَة السّقوط. حَسِبَ النَّاسُ أنّ عَلاَقَتنا بهِ أَدَبيَّة بَحْتة؛ لتَدور الأيَّام وتكشُف عَنْ تُّراث إِنْسانِيٌّ مُعمّر، نَمَا بعيدًا عَن الأضّواء ليزوِّد أَجْيَال كَامِلَة بكلوروفيلّه الْخَاصّ.
* * *
بمَحَطَّة الجَلاَء بمحافظة الإسكندرية مَحَلُّ صغير قديم لا يُلتَفَتُ إليه، يَحْوِي أعداد هائلة مِن الكتب، لا يُصدق أّنَّ بإمكان هذا المنتهي أَن يَحْويها. في يَدِ أبيه مُعلق، بقَدَمَيْهِ الصغيرَتين يَخْطُو لهذا البَهْوُ الورقي العِمْلاَق يتَطلَّع، رائِحَة الوَرَق تَجْعَل للمكان هَيْبة تُنَافِس هَيْبَة أَرْض الموز المَسْكُونة. الوُجُوه المُخِيفة تَلِيقُ بِهَذَا المكان وصَاحِبُهُ كَذَلِك، رَغَّمَ ابتسامتهُ يَمُدَّ يَدَهُ إليه، فَيُخْرُجُ الصَّغِير كَفَّيَّ العَجِين عَلَى اسْتِحْيَاء، قُبْلة بَسِيطة خَلَقّتْ حالة طُمَأْنِينَة مؤقّتة.
يقول صاحب المكتبة : ده كبير عليه، أديله قصص تانية؟
فيرد الأب : لا يُرسل نَظرة تَمْلَؤُها مَشَاعِر كبيرة، لم يتعرف عليها هذا الصغير آنذاك، صغير الكف يمد يداه، يفتح ويقرأ. – ها! لسه كبير عليه؟
– ماشاء الله، لأ إذا كان كده؛ يبقي تاخد ده مني هدية.
والهدية هذه كانت شرارة في المستقبل القريب ستحرق سهلً، وأباه قبل الهدية و سيقرأها أولًا.
كفيي العجين لقط الإسم، لكنه لن يسأل عنه “الحاجّة” الليلة، إن حكايتها مخيفة وصوت الراديو في الليل أكثر رعبًا.
* * *
آلاف المشيعين ينثرون الصور علي المواقع، نلتقطها ونبكي، ننشرها ونبكي. مازلنا صغارًا على عكس ما توقعنا، الأطفال التي بداخلنا لَمْ تَمُتْ؛ بل نشبت أظافرها الرقيقة في مخالجنا الهشة؛ تشاهد معنا “أبناء العرّاب”.
يتوافدون عليه من كل المحافظات، يلصقون عبارات تدلل على الاِمتنان، آخرون يثبتون لافتات من رخام.
صاحبات القلوب اللطيفة يضعن الورد برفق حتي لا يؤرقوا منامه، بينما المغتربون يشاهدون كل هذا في قهر.
الموت أطبق على أحلامنا وذكرياتنا فجأة؛ كما أطبقت نبتة “موكاسا نيجرا” على الدكتور ”عماد صبحي” في بهو حديقته، أنت هنا وهو هناك ومن ثم هوب؛ اِنتَهَى الأمر، هناك أيضًا نوع آخر من النباتات، ينفث روائح كريهة ومغرية، تجذب الضحايا إليها؛ ومن ثم تصبح في خبر كان، هذه فلسفة ممتازة نتعلم منها ألا ننجر.
بلهفة أسال “أسامة”: حتعمل حفل التأبين امتي؟
– مش عارف
– أنا مكتئب وبعيط
– وأنا
– أنا مش مستوعب
– لازم نتقابل
– فاضي امتي؟
– أنا ممكن أنزل الأربعاء، حاخلص وحطلع على المحل بالليل! مناسب؟
– لو حشوفك يبقي الصبح؛ لأني مش حكون متاح بعد ٢ الضهر.
– طيب سيبني أرتب يوم تاني.
***
الحاجة ست كبيرة، ملامحها ليست مصرية على الإطلاق، لكن روحها نبتت في طين هذا البلد، وإن كان طين أبيض وعيونه قطعة من السماء.
ذا كَفَّيَّ العَجِين يلقي السلام كثيرًا -في النزلة والطالعة- تناديه أن يأتي.
بإبتسامة نقية تقول : هي مرة كفاية؛ كتر السلام يقل المعرفة.
– طيب أقوله وأنا نازل ولا وأنا طالع؟
– – (تضحك) .. اللي تشوفه يا سي “حمادة” .. ها عايز تسألني على ايه؟
– – بصي! روحت المكتبة وجبت دي .. يشير على -كُتيب جيب- دسه ما بين بطنه و البنطال الصغير، وعايز أعرف يعني ايه الإسم ده ؟
– – ده بقي يا سيدي “النداهة” كانت تمشي بليل تنده علي الراجل بإسمه، فيجيلها زي المسحور، ديه كانت عفريتة موجودة هنا في “أرض الموز” وكان في كمان واحدة اسمها “ام جلاجل” كانت تمشي تجلجل كده بالليل، بس دي مش موجودة عندنا، أنت بقي حتقرا الحاجات ديه ليه؟
– – قصة جديدة يا ستو الحاجة
– – ياختاااي، شوفي بيكتبوا ايه للعيال!
– – حقول لأمك.
– – قوليلها، سلامو عليكو.
– – أوعى تبص في المرايا بليل؛ ألا تخطفك.
– * * *
– في الوقت الذي كان “أسامة” يبدأ فيه حفل التأبين، حيث عشرات الذكريات تُتلى فتبث في قلوب الحاضرين السلوي؛ جاء هو يجر خيط من ولع.
– في يد ذكرياته مُعلق، بقدمي التوتر يخطو لهذا البهو العملاق يتطلع، حتي إذا بلغ طلتهم، وجد كُلً يترقب نصيب من مواساة، بينما هو يأمل أن يجد طيفه في عزاء.
– حين يَغْدَرُ العالم بِقُلُوب الْمُعَذَّبِينَ ويضيَّق بهم، يَرُدَّهُمْ هو عَن حافَة السّقوط. ثمانية وعشرون عامًا تمر أمامه كشريط الة التصوير، مكتبة الجلاء، رائحة الورق (لماذا تعقدون الامور يا شباب) أنا مش مستوعب إنه مات (لماذا تجعلون الرحلة صعبة!) أوعى المرايا تخطفك (القصة أبسط من ذلك بكثير) أنا مكتئب لازم نتقابل (طر يا طائر -أبي الحن- طر بعيدًا عني)
– في منتصف لُفة فيمن حضر “التأبين” يقف، من بين بطنه وبنطاله كُتيب جيب، على أوراقه الصفراء تبدو علامات الزمن، يُخرجه إلي النور، يشير إلي الاسم.
* * *
“سبب لحظات التوهان و فقدان الوعي -إنها الثانويات- أنا طبيب وأعرف القصة جيدًا ..المرض الخبيث في حنجرتي؛ يرسل أزهاره و هداياه القاتلة في كل صوب، إنه مثل دين جديد يحاول أن ينتشر .. لديه أتباع مخلصون في كل جسدي، بعد قليل سيصير كل جسدي مؤمنًا .. وأنتهي أنا”
* * *
وجاء موت الأب .. بعد لحظات كثيرة من التوهان وفقدان الوعي؛ ومات معه ذا كَفَّيَّ العَجِين -ليس الموت الذي نعرفه- إنه موت آخر يستتب بوجوده معاني آخريات، لقد صار يتيمًا، الجميع يجود عليه بالشفقة والأحضان المفتعلة، حتي القريب يرتب علي رأسه من أجل ثواب، أضحي قرباناً، سُلماً، قطعة قرميد يخطو عليها العابرون، بعدما كان بطلًا صغيرًا؛ سيغدو طيارًا أو محاميًا- كما تمني أباه- لا أعرف صلة الربط بينهم، ما أعرفه الآن أنني لم أعد أحب الطيران أو المحاماة أحب القراءة، وأحب رفعت.

عن أحمد عبد الفتاح

أحمد عبد الفتاح
مدون مصري

اترك تعليقاً