آبائنا.. وأعذارهم

معتز صبحي
ما كنت اعتقد أنني سوف أتكلم ولو مرة واحدة عن قصة قديمة، تفاصيلها قد تتغير، لكن تبقى خطوطها العريضة ثابتة كأنها قواعد اللعبة: ظلم يسود، وعدل يغيب، وأحلام سقطت، قصور في الهواء بُنيت من لا شيء وانتهت إلى لا شيء… لا أقصد هنا تحريضًا، أو مساسًا بأحد؛ فالزمن الذي يمكن أن تصبح فيه الكلمات سلاحًا قد ولى، وإن حاولت فإن أول من تصيبه هو كاتبها.. ولولا حديث مع صديق مقرب عن أحوال العباد في البلاد لما كُتب هذا.
إن موقف جيل من الآباء من أفكار شبابهم محير، هل هم بالفعل يرفضونها ويعتنقون الرأي المضاد، أم موقفهم هو ليس إلا محاولة للتعايش مع وضع قائم. هل هناك أسباب أخرى تدفعهم لاتخاذ هذه المواقف ليس منها القناعة الشخصية ولا الاستمتاع بالحياة في أزهى عصور القهر الإنساني!
إن منهج الهرب من الاعتراف ببعض المصائب – والذي يتبعه جيل الآباء – يعطي الإنسان قدرة أكبر على تحملها، بل ويعطي العقل مخارج أخرى، أو بمعنى آخر “تصورات” تريح التفكير و تعطل الضمير لفترة لا بأس بها.
أحيانًا يكون عدم الاعتراف بسوداوية الواقع المعاش وسيلة لتسهيل حياتنا وحياة من نحب، فنجعلهم يعيدون التفكير في وضع سائد علّهم يتوصلوا الى نتائج أقل سوءا.
بعد كل حدث يسر أو يُبكي تمتلء المنابر بالخطب والحناجر بالهتاف باسم المرحلة الجديدة التي لم و لن نشهد مثلها في رغد العيش و حرية التعبير.
إن من عاش سنوات في الكذب هو أول من سيدركه ويعرفه.. فكان الكذب – وحده – في المنابر والمقالات والكتب لا يحقق الغاية. لابد من دخول النار و الحديد و لابد من تطبيق أشد العقوبات على من يرى الكذب كذب. فقطعت ألسن و سجنت آهات قلوب في الصدور. إن من عاش سنوات من التضييق والحصار هو أول من يدرك عواقب الخروج عن النسق أو رفض المعلن من انجازات وانتصارات.
أبائنا قد دخلوا إلى مدرسة – نحن نتحسس اليوم اعتابها – ثم تخرجوا منها بشهادة عريضة كُتب فيها تحت خاتم النسر العتيد “لا فائدة”. حملوا هذه الشهادة و حُمِلّوا همومها في طيات صدورهم. سكتوا. منهم من سافر إلى الخليج العربي ذهب، ومنهم من هاجر إلى أوروبا أو أمريكا، ومنهم من بقى ليحاول أن يعيش. كلهم يحملون نفس الشهادة.
إن من سبقونا لا يزلوا واقفين عند النقطة التى نحن فيها، منهم من يقول اننا قطعنا شوطًا لا بأس به لكي يريح نفسه، ومنهم من عرف أن معظم المحاولات هي مثل حرث الماء.
لطالما خلقت السلطة آمال عريضة لكي تمتلء الساحات بالجماهير والمقاهي بالمنظرين.. بالطبع آبائنا حلموا وتمنوا حتى وصلنا لما نحن فيه من نتائج التنظير والتحليل نعيشها الآن بعد مرور سنين بلا أي تغيير أو اختلاف بل نحن مازلنا عند بداية السطر، في أول صفحة في كتاب من المفروض علينا كتابته.
يود آبائنا أن يجلعوا لنا من الحاضر مكانا أفضل لنعيش به.. بعضهم يتمنى الخير و يتوقعه وآخرون لا يروا في الأمر أي خير إلا أنهم لا يصارحونا بهذا. ينصحون بالصبر والترقب والاحتمال بل واحيانا التشجيع. لا يريدون منا الانشغال باحلام قد تعلقوا هم بها في شبابهم بلا جدوى يريدون لنا أن نقف على الارض الصلبة التي لا خلاف عليها. أرض الواقع بكل مساوئه.
ليس السؤال هنا: من المخطئ؟ نحن أم من سبقونا؟ الذي يرفض الاعتراف بواقع و يتاعيش معه راجيًا له تحسن لا يتوقعه، وأحيانا يروا أن حجم الرفض مهما كان فذلك لم ولن يغير في الواقع السائد من شيء، أم من يدرك مدى سوء الوضع إلى حد أنه يختنق به ولا يختار إلا رفضه بكل السُبل مؤمنًا بإمكانية التغيير ولو بعد حين.
السؤال هو ما هي سُبل التعايش مع وضع قائم قاتم ؟
هل هو حل دولتين: هناك من يرى أن هذا واقع أكثر منه حل أو تصور للعيش. فهناك دولة تتمثل في السلطة ومن حولها من أغنيائها من ضباط وقضاة ورجال إعلام وأعمال والمنظرين الذين يتعلقون بأذيالها على أمل فرصة للالتصاق بالركب.
وهناك دولة العمال والفلاحين متعلمين أو أميين أغلبهم فقراء أو هم على شفا حفرة من الفقر. هؤلاء إن لم يكونوا منشغلين أغلب وقتهم في طلب الرزق، فتعليمهم وثقافتهم أقل من أن تدرك أو تميل الى فهم صحيح لواقع مزري.
الحل الآخر أو النتيجة الأكيدة كما اتصورها تتمثل في الصدام .. فلا تنتظروا من بذور الظلم ثمار الحرية ومن حشائش ضارة غرست في أنفس مريضة شفاء. إن الصدام هو مرحلة مقبلة سندفع فيها جميعا ثمن اليوم والأمس . هؤلاء الجوعى والفقراء من خربت عقولهم قبل منازلهم سيكونوا وقود لنار لا يقدر عليها احد. اتذكر جملة من فيلم مصري “دم المظلوم غالي مثل دم الظالم” ليت الجميع يتذكرها و يذكرها.

عن معتز صبحي

شاهد أيضاً

الكنز.. الحقيقية الاسطورية داخلنا

  يفُتتح الفيلم بجملة تنويهية تقول : أن هذا الفيلم مستلهم من الاسطوره لكنه غير …

اترك تعليقاً