البلطجية

بيعتقد اغلب الناس أن المحرك الوحيد للبلطجية هو الفلوس أو المنفعة بشكل عام، هو طبعا محرك رئيسي لافعالهم، لكنه مش الوحيد، وبينسوا أن العامل النفسي مهم جدا لأي بني آدم، حتى لو كان بلطجي، ومش هيكون غريب كمان أني اقول البعد الثقافي لا يقل عن المنفعة عند البلطجية.

فالبلطجية يا اساتذة، وعلى حد معرفتي بيهم، المبنية على احتكاك مباشر معاهم، مبيخرجوش من مجتمعات بترفض افعالهم، بالعكس فمجتماعاتهم إما بتعتبر أن تصرفاتهم شيء طبيعي ومعتاد، أو بتبقى البلطجة عندهم منظمة، ولها كمان ادبيات بتتحكي للاطفال في الشوارع، أو على الاقل بتحصل قدامهم، وإلي بدورهم بيكرروا نفس الادبيات ديه، باخلاقها بان يبقى فيه زعيم، وسلاح، ومعركة، الانتصار او الهزيمة فيها مسألة شرف.

لكن البلطجة مش بس أن يكون الشخص اجير عند حد، لكن البلطجة هي ثقافة، ومش مبالغة أنها ممكن تكون ثقافة اسر، او احياء، او مجتمعات بحالها، ففكرة أنتزاع مكسب ما (وهو غالبا مش حق للبلطجي) بالقوة، والتبجح في وش أي حد يقف قدام البلطجي (وإلي مش بالضرورة يكون من طبقة دنيا اجتماعيا او ماديا او ثقافيا)، هي فكرة كانت منتشرة، بشكل مخيف، ومش سهل نقول أنها راحت بعد الثورة.

وبيتهيألي أنا عندي قصتين شوفتهم بنفسي، بتؤكد على فكرة أن مواجهة البلطجة هو شيء لا مفر منه، وإلا رجعنا لنقطة الصفر.

القصة الأولى هي محاولة هدم خيم المعتصمين بعد خطاب التنحي بيومين بس، من قبل ناس نزلوا مخصوص للفعل ده، مع أنهم كانوا بيقولوا العكس في الجملة الشهيرة “انا من شباب الثورة، وفضلت في الميدان لغاية آخر يوم واتحققت مطالبنا، ودلوقتي انا عايز اخلي الميدان، علشان حال البلد يمشي”، الغريب والمضحك أن واحد من الناس دول بعد الدردشة معاه قالي (أنه مكنش عايز مبارك يمشي)، فمنين كان مش عايز مبارك يمشي، ومنين فضل في الميدان لغاية ما مشي، “يعني متآمر وغبي؟”

ولما حاولت اتكلم مع الناس إلي كان وراسهم الف سيف انهم يهدموا الخيم، إلي هي كانت قليلة جدا، وفي جنينة في الميدان، ولا تعيق أي شيء، اكتشفت أنهم فعلا حافظين كلام وبيرددوه حتى لو مفيهوش منطق، لكنهم كانوا مقتنعين بيه جدا، ومكنش فيه اي صعوبة في أني أنا ومجموعة من الناس أننا نكسر لهم المنطق ده، بالمنطق برضه.

وكانت النتيجة لأن كان من الصعب استعمال العنف في وجود الجيش، ولأن كان نوع البلطجية “إلي مش بالضرورة يكونوا مأجورين زي ما قولنا قبل كده” ارقى، لأن كفة القوة كانت مع المعتصمين، تراجعوا عن هدم الخيم، وعلى وشوشهم حالة من الارتباك لأنهم مصمدوش كتير قدام المنطق.

نفس حالة الارتباك، إلي شوفتها في القصة التانية، على وش ست اخترقت طابور ستات في السجل المدني، عشان تاخد دور غيرها، ولما زعقت فيها الستات (وانتوا عارفين الستات بيبقوا عاملين ازاي في الطوابير!)، كشفت راسها المصفر بفعل صبغة الاوكسجين، ورمت بنتها إلي كانت شايلها على كتفها لزميلتها، وخرجت عليهم باوبرا شعبية نادرة حملت كل انواع الالفاظ النابية، وختمتها بالجملة الشهيرة “طابور ايه يا اختشي انتي وهي، دي بلد بنت ….”.

ومع أن الستات خسروا المعركة دي، لكنهم مخسروش الحرب – جملة اعتراضية: الستات مبيخسروش الحرب ابدا – واستنوا لغاية ما الفيضان خلص، وكلموها تاني بعد ما الموظف تحت ضغطهم رفض تقديم الخدمة ليها، موجهين انواع من اللوم اللطيف ليها، بأنها المفروض تصلح البلد، بدل ما تقول عليها بنت…، وأنها لازم تصلح حال البلد، وتقف في الطابور، وتقف في وش الغلط، وده عشان تربي بنتها كويس.

–         مش انتي عايزة تربي بنتك كويس؟

وفجأة نزل على وشها زي ما بيقولوا سهم الله، وارتبكت، ومقدرتش ترد، مع أن الرد ديما جاهز وغالبا بيبقى قاسي من النوع ده من الستات، لكن لعب الستات على الوتر الحساس، كان بمثابة الضربة القاضية.

لكن مش في كل الاحوال، بيكون المنطق والعقل هو الحل، طبعا زي ما قلنا اكيد فيه عمليات شحن للبلطجية المأجورين بتخليهم ميتفاهموش، وثقافة عند غير المأجورين تخليهم ميفهموش، وحقوق مكتسبة (في حقيقتها باطلة) تخليهم ميتنازلوش، وساعتها مفيش مفر من التعامل بقوة، لكن مش بالضرورة العنف، الاهم هو قوة الموقف والثبات عليه.

يمكن اختم بقصة حصلت لي في نفس السجل المدني إلي كانت فيها صاحبتنا، وكانت نفس الحالة بأن فيه شاب حاول انه يقف برة الطابور، ورفض أنه يسمع كلام الناس بأنه يحترم الناس إلي الطابور، ويقف في دوره، ولو قلت لكم أنه مراهق من نفس النوع إلي بتشفوه في المترو مع زمايله، وبيتكلموا بصوت عالي وبدون مراعاة لنوع الكلام إلي ممكن يتقال، ومشغلين الموبايل الصيني باعلى صوت ممكن، هتعرفوا أن اقصد ايه بأنه تحدى كل إلي في الطابور وبدأ يتريق عليهم.

طلبنا من ظابط، أنه يفرض النظام على الموجودين في السجل المدني، عمل نفسه مسمعش، قلنا له أنه لو منظمش الطابور وتعامل مع البلطجة هنضطر نتعامل معا الشاب ده بمعرفتنا، فاضطر انه يجيب امين شرطة يتفاهم معاه، مسمعش الكلام، الامين قاله انا ماشي “واصطفي” انت مع الناس دي، مسكت الامين من ايده وهو ماشي وقلت له بصوت مسموع للبلطجي “متبقاش تعمل لنا محضر لما نضربه”، قال اعملوا فيه إلي انتوا عايزينه.

وطبعا القوة هنا مكانتش العنف طبعا، لكن الرأي العام في الطابور إلي صدق على نفس رسالتي وأكدها باكتر من صيغة، ووقوفهم ايد واحدة في مواجهة أن حد ياخد دورهم، مع أن ده كان شيء عادي وبيحصل ديما في الطاوبير إلا أن شخص ما، صمم على موقفه، ولقى استجابة وثبات على الموقف من بقية الناس، الشيء إلى أدى في النهاية إلى أن الشاب رجع وقف ورا آخر الطابور، بعد ما كان بيحمل كل الازدراء له، وعدم احترام للناس إلي كانوا واقفين فيه.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في العزلة رحلة ذهاب.. لا عودة

أدركت اليوم أنه لا رجوع لما نسميه “الحياة العادية، أظن أنني بشكل لاشعوري أعرف هذا …

اترك تعليقاً