في طريقه للعمل

من مجموعة الكذبة المثالية - حملها مجانا.

من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

 

توقف فجأة، نظر للخلف ثم نظر للأمام .. مرة أخرى: نظر للخلف ثم عاد ينظر للأمام، دار حول نفسه، تلفت ناحية اليمين وكذلك اليسار، تأكد أنه “لا أحد” في هذا المحيط، صرخ “اللعنة .. إنها المرة الـ .. !” لم يكمل عبارته، لقد سأم العد، سأل نفسه “هل أنا في طريقي للجنون؟ أم هناك بالفعل مَـن كان يتكلم معي ثم اختفى؟ هل يختفي الناس وهم يتكلمون”! أنـَّب نفسه على “الخاطر الغبي”، لم يكتفِ بهذا بل وصف نفسه وبصوت عالٍ بالـ “غبي” .

 

استدار رجل يرتدي سروالا وقميصا مخططا كان يمشي أمامه منذ دقائق، ظن أنه “الغبي” المقصود، نظر إليه طويلا في توعد، ارتبك صاحبنا وتوقف هو أيضا ولم يفهم ما يحدث بالضبط !

 

استدار الرجل “الغبي” وأكمل طريقه، وصاحبنا أيضا ظل خلف هذا الرجل، فكر في أن يسلك طريقا آخر عندما فهم الموقف، لكنه فضل الاستمرار في هذا الطريق المختصر إلى العمل .

 

أنـَّب نفسه ثانية لأنه يكلم نفسه في الطريق، عادة مثل هذه قد تقوده ذات مرة إلى مشكلات هو في غنى عنها، إنه يكره هذه العادة التي يخاف أن تكون نهايتها الجنون مثل عمه الذي بدأ بالكلام مع نفسه قبل أن تتدهور حالته، ليدخلوه مستشفى للأمراض العقلية .

 

لكنه لا يكلم نفسه مثل عمه، هو فقط يتحاور داخليا، مجرد حوار داخل رأسه قد يخرج من هذا الحوار أحيانا كلمة أو اثنتان بصوت عالٍ، خصوصا عندما يكون الحوار عن موضوع يثير أعصابه مثل علاقته بمديره، ذلك “الحمار المخطط” .. ها قد فعلها ثانية ونطق آخر كلمتين من حواره الداخلي، فأنـَّب نفسه بقسوة “يا حيوان”.

 

لم يحتمل الرجل الذي يمشي أمامه كل هذه الشتائم التي لا محالة موجهة له، خاصة وأنها حملت سخرية من قميصه الأبيض المخطط منذ قليل، توقف “الرجل المخطط” واستدار وبدا على وجهه نية إثارة المشكلات، المشكلات التي يكرهها صاحبنا بالطبع، صاحبنا المحظوظ الذي وجد شارعا جانبيا سلكه مسرعا متجنبا المشكلات، كعادته يهرب دون الالتفات لكل كلمات الاستفزاز التي أطلقها الرجل المخطط كي يعود ويواجهه رجلا لرجل .

 

 

“أنا حمار ومتخلف” عادة أخرى اكتشفها وهو في الشارع الجانبي؛ إنه لا يستطيع أن يمتنع عن لوم نفسه، لقد حاول منع هذا التأنيب ومع ذلك خرجت هذه الجملة في النهاية، ثم حاول عدم تكرارها، لكنها أفلتت منه مرة ثانية بصوت أعلى “أنا حمار ومتخلف”، سمع ضحك يتقدم من الخلف لرجل وامرأة .. أبطأ في مشيته فتقدماه نظر لهما، دون أن يبادلاه النظر، حاول طمأنة نفسه بأنهما لا يضحكان عليه، ثم تمنى أن يكون ذلك صحيحا .

 

“ناس تافهة .. قلة أدب” هذه المرة لم يكن هو، كان صوت أتى من الخلف أيضا، أبطأ في مشيته فظهر بجانبه رجل نحيف ملتحٍ وبجلباب أبيض قذر، أشار إلى الاثنين ووجه كلامه لصاحبنا “ناس تافهة .. قلة أدب”، دقق صاحبنا النظر فاكتشف أنه لا يرتدي حذاء، فتذكر عمه عندما كان ينسى ارتداء سرواله، عمه كان غير مؤذ وكذلك هذا الرجل، لكنه على أي حال لن يتكلم مع مجذوب .

 

أسرع في مشيته، متجاهلا سباب الرجل المجذوب، وهو يكرر رفع سرواله كلما شعر أنه ينزلق عن خصره، قرر أن يضيق الحزام في الشارع، تصرف غوغائي كما يرى، لكن لا مفر، السروال ينزلق منذ أن نزل من بيته، لكنه اكتشف أنه لم يرتدي الحزام من الأساس، صرخ “يا الله” وهو يتذكر عمه الذي كان ينسى ارتداء سرواله .

 

اتجه نحو محل الملابس على جانب الطريق، محاولا أن يرى صورته في زجاج “الفاترينة”، ها هو المعطف، القميص، رابطة العنق التي تخنقه، السروال موجود، رفع رجل سرواله ليتحقق من ارتدائه لجواربه أيضا، وها هو الحذاء مربوط والحمد لله، الحزام فقط وللأسف، ثم واصل سيره .

 

وبعد أمتار هتف “الحقيبة” وهو يضرب رأسه عدة مرات بكفه الأيمن، نظر للساعة، هو بالفعل متأخر، نظر خلفه “الطريق للبيت طويل”، وخاف أن يقابله الرجل المخطط في طريق العودة أيضا، الحقيبة تحوى على أهم ملفين، الأزرق والأحمر، عليه أن يعرضهما اليوم على مجلس الإدارة وليس الغد، “الأزرق والأحمر” .

 

ظل يلف حول نفسه، بشكل لافت للنظر، وهو يسأل نفسه دون إجابة حول جدوى ذهابه للعمل دون الملفين، وإمكانية عودته وإحضار الملفين قبل بدء الاجتماع الوشيك، همَّ أن يخبط رأسه التي لا تعمل بيده اليسرى، فاصطدم بوجهه شيء كبير أسود .

 

ما هذا؟

 

إنها الحقيبة – ولله الحمد – نظر للساعة، لقد تأخر، أسرع في مشيته عدة أمتار ثم توقف فجأة “الأزرق والأحمر” هل هما موجودان داخل الحقيبة؟!

 

إنه متأكد من وضعهما بيده أمس في الحقيبة، لكن صباح اليوم أخرج بعض الملفات غير المهمة، هل أخطأ وأخرجهما؟ “ستكون كارثة” .

 

جلس على الرصيف وفتح الحقيبة “أين هما؟ وما هذه الأشياء؟ هذا الأصفر كان يجب أن يخرج من الحقيبة هذا الصباح، وهذا الرمادي غير مهم، وكان يجب التخلص منه، وصورة أبنائه وزوجته ما جاء بها إلى هنا، مكانها فوق مكتبه في عمله .. وأخيرا” .

 

ها هما الأزرق والأحمر، وقف على الرصيف متهيئا لاستكمال طريقه فوجد خلفه ضابط وأمين شرطة، رفع بصره قليلا فوجد خلفهما مبنى كبيرا مكتوب عليه (مجلس الوزراء) فأدرك أنه في ورطة .

 

كان المارة يحاولون الوقوف لتتابع الموقف، لكن رجال الأمن كانوا يبعدونهم، أسف على فعلته هذه وبرر للضابط جلوسه على رصيف المجلس الموقر بأنه خاف نسيان بعض الملفات المهمة فاضطر إلى الجلوس ليتأكد من وجودها أو عدمه، ثم ابتسم “لكنها الحمد لله موجودة” .

 

حاول تلطيف الأجواء فأخبر الضابط والأمين بأنها ليست المرة الأولى، فذات مرة جلس أمام السفارة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأمام السفارة البريطانية بعد سقوط نظام صدام حسين، ابتسم منتظرا أن يبادلاه التبسم، فسأله الضابط “فعلا!!” ما هذا! لم يدركا أنها مزحة، فاقتنع أن مزاحه سيقذف به ذات مرة خلف الشمس، دعا الله ألا يحدث هذا اليوم .

 

انتهى الأمين من تفتيش الحقيبة وبعثرة محتوياتها داخلها، هل هذا نوع من العقاب كي لا يجلس أمام مجلس الوزراء مرة ثانية؟ أمره الضابط ألا يفلعها، لن يفعلها .. هذا وعد، هذا أكيد .

 

“لا تجلس أمام مجلس الوزراء أو أيِّ مبانٍ مرة أخرى” وضع هذه الجملة في معجم الحوار الداخلي ليكررها كل يوم وهو في طريقه للعمل .

 

عندما غادر سأل نفسه “لماذا هو على هذا النحو من الارتباك دائما؟! متوتر ويشك في كل شيء، بل بمعنى أدق يشك في نفسه فقط، يراقب نفسه، ويرصد تحركاته، ويكلم نفسه داخليا، لماذا يحدث له كل يوم ما يوتره أو ما يعكر عليه صفو حياته؟!”.

 

طريقه انتهى، والمبنى الذي يعمل به ظهر أمامه، هكذا لن يجيب عن أسئلته كالعادة، لكن اليوم قرر أن يعرف الإجابة، أعاد شريط ذكرياته، تذكر عمه الذي جُـنَّ بعد أن كان رجلا وقورا، تذكر خوفه من أن يصبح مثله، تذكر تحذيرات أمه – سامحها الله- بمراقبة نفسه وأفعاله حتى لا يصبح مثل عمه الذي لم يراقب تصرفاته فأصبح على هذا الحال .

 

تذكر معظم الإرشادات التي كان يأخذها من كل مَـن يمسك عصا أمام عينه، تذكر العصا وأوجاعها، تذكر المدير وتوجيهاته الممزوجة بالجزاءات المروعة، تذكر الضابط عندما حذره من الجلوس مرة أخرى أمام مجلس الوزراء أو أيِّ مبانٍ مهمة غيره، تذكر أن عليه دائما التذكر والحرص، حتى لا يقع في المشكلات، إلا أنه يتذكر ويقع في المشاكل .. لكن هذا لا يمنعه بأي حال من التذكر .

 

توقف عن الحوار مع نفسه، وعن التذكر، ودخل مقر عمله، وجد زميلا له يخبره “تأخرت”، وزميل يحذره “المدير يبحث عنك”، وآخر يسحبه من يده “الاجتماع بدأ” ويفتح له الباب ويدفعه داخل غرفة الاجتماع، يعتذر عن تأخره، يخرج الملفات، يتولى شرح ما فيها لأعضاء مجلس الإدارة، يناقشهم في كل كبيرة وصغيرة، فهو متاح له أن يتكلم، أن يعبر عن رأيه، أخلى ذهنه من الأفكار والحوار الداخلي، نسى أن عليه أن يتذكر التحذيرات، وتذكر أنه طالما يتكلم مع الآخرين وهؤلاء الآخرين يستمعون له، فلا داعي أبدا أن يكلم نفسه، فأجل حواره مع نفسه حتى يأتي الوقت الذي لا يجد فيه مَـن يسمعه، حتى الغد وهو في طريقه للعمل .

من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الحب يقطن علبة الدبابيس

تستفزها هذه المنشورات على الفيسبوك، “الحب ممكن يكون حلة محشي”، “العشق ممكن يكون صينية بسبوسة”. …

اترك تعليقاً