بدون ضمان

اطمئن أنه في حقيبة يدها، هذا ضمان لك، حيث لن تفقد شيئا مرة أخرى، ولن تحمل شيئا تفقده من الأساس بعد الآن
اطمئن أنه في حقيبة يدها، هذا ضمان لك، حيث لن تفقد شيئا مرة أخرى، ولن تحمل شيئا تفقده من الأساس بعد الآن

في مشهد كوميدي واقعي، اختارت خطيبتك الثلاجة الغالية، في أكبر معارض الشركة اليابانية الأصل، وأنت اعترضت، ووصل اعتراضك إلى قمته عندما وضعت يدك في جيبك بمنتهى الرجولة ودفعت ثمنها، مشددا ومتشددا في الحصول على ورقة الضمان التي كنت ستحصل عليها، دون الدخول في شجار مع موظف الخزينة لا معنى له سوى اختبار قدرات حنجرتك الأوبرالية، التي لمعت كالذهب في مشهد أوبرالي استعراضي كوميدي أمام خطيبتك التي لم تشترك معها في مشاهد من نفس النوع منذ سلمتها قلبك .

وكان من الطبيعي أن تسأل نفسك، وأنت تحمل وثيقة ضمان الثلاجة في يدك، وتمسك أطراف أصابع طرية تحمل خاتما غاليا في يد أخرى: هل كان من الممكن أن يحصل على وثيقة مشابهة تضمن حياة سعيدة، مع تلك المخلوقة التي لم تختبر إمكانياتها في العيش معك على السراء والضراء، كما اختبرت هي كل إمكانيات الثلاجة في نشوة وسعادة .

ولو كان هناك نوع من هذا الضمان موجود بالفعل، من أين يمكن الحصول عليه؟ ثم أن السعادة شيء معنوي يصعب تحديده، ولا يمكن لأحد أن يضمن استمرار سريان صفات السعادة النسبية التي تتغير من شخص لآخر ومن وقت للثاني.

إذن يجب الحصول على ضمان على شيء ملموس مرتبط بتلك السعادة حتى تضمن السعادة في جيبك إلى أن تفارق الحياة حزينا على تلك السعادة التي ستفارقها مرغما لا بطل، ولا شيء مادي تنطبق عليه هذه الصفات سوى ..

تنظر لحبيبتك وخطيبتك التي يغازلها المارة من جمالها، وأنت تزغر لهذا، وتسب ذاك في سرك طبعا، وهي شاردة تفكر في موقع الثلاجة بالمطبخ، ومدى تناسقها الغريب على الألوان التي اختارتها بمهارة لا يتمتع بها ذلك المخلوق الهمجي الذي هو أنت، احترس أنت تشد على أصابعها الرقيقة يا وحش .

اهدأ، هل تعاقبها على إصرارها على شراء تلك الثلاجة التي أجهزت على جيوبك بالضربة القاضية، أم على مغازلة المارة لها بسبب حركات وجهها اللاإرادية اللطيفة عندما تتخيل منظر مطبخها الرائع، أم معاقبة لي عندما قلت إنها جميلة مجاملة لك، أم للمارة الذين كانوا ينظرون لها فقط من باب التطفل وأنت فسرتها على أنها مغازلة، أم موظف الخزينة الذي كان يغمز ويلمز لزملائه أثناء تراجعك عن إصرارك أمام دلالها عليك .

اهدأ، لم تترك هي يدك، عندما حررتها، حتى بعد أن عانت أصابعها من اندماجك في الفكرة، كم هي جميلة وتقدر صفاتك الوحشية، هذه ليست مجاملة، وليست غزل، فاهدأ مرة أخرى، وأعد لنفس الفكرة من جديد، لكن دون أن تنفعل على أصابع المسكينة .

إذن مَـن هو الذي سيعطيك ضمانا على شريكة حياتك؟ أبوها؛ يريد أن يتخلص منها ومن نفسه شخصيا إن استطاع لينجو من ضغوط الحياة، أمها؛ لو أعطتك ضمانا ستمزقه على الفور وتقتلها وتقتل ابنتها وستبقى باقي حياتك هاربا من حبل المشنقة ليس خوفا من الموت وإنما خوفا من مقابلتها في جهنم وبئس المصير، هكذا لا تجد ضامنا .

وإن وجدت، ما هي الصيغة التي ستكتبها في هذا الضمان، ما هي البنود، ضمان عدم النكد، ضمان المساندة، ضمان السعادة الدائمة، ضمان حريتك، ضمان راحة البال، وضمان الحفاظ على كل ما هو جميل فيها وفي حياتك .

عبيط، هي تلك النظرة التي نظرها لك رجل عجوز عندما رآك وأنت معها في أول مرة تصارحها بحبك، نظرة تقول لك بكل مشاعر الترجي “يا عبيط ارجع يا عبيط اهرب”، نظرة عميقة، أعمق من تجاعيد الرجل العجوز، تحمل كل معاني الأسى على مصيرك .

نظرة تـُعتبر العكس المطلق، لتلك النظرة التي ارتسمت على عيون الرجل العجوز عندما توجه إلى منتصف الشارع المزدحم ليطمئن على رجل دهسته سيارة هامر عملاقة قالوا إنه مات على الفور، فرفع يده ونظر إلى أصابعه فوجد خاتم الخطوبة فشعر بالأسى قليلا ثم قام يرقص بجوار جثة المرحوم عمل القبة والرعشة واستخدم أصابعه كصاجات ولا أجدع راقصة سافلة ترقص في الموالد لا في شارع الهرم، وعندما انتهى من فقرته وجه كلامه للسماء في شجن ” في الطريق رجل حر، انتظروا المزيد من الرجال الأحرار” .

كم تأثرت بالمجذوب الآن، بدا هذا واضحا على ملامحك، إن لم تخفه، ستكتشفه هي، وستبدأ في العراك، وسيؤول مصيرك إلى ما آل إليه حال المجذوب، ولأنك عاقل، وكانت هذه مجرد خواطر مجنونة دارت في بالك بعد صدمة مالية اعتصرت قلبك وعقلك وجيبك معا، توجهت لخطيبتك بالكلام “هل تعديني بأن نعيش في سعادة إلى آخر لحظة في حياتنا؟” قالت “أعدك” .

أوافقك في عدم تصديقك لها، لأنه غير معقول، لكنها يجب أن تجيب هكذا، فهي تشعر بهذا، دعنا من ذلك، قل لي: هل جاء الوقت كي تلتفت إلى يدك حيث ضمان الثلاجة الذي لن تجده؟ لا تتلفت كثيرا حولك، لن تجده، اسألها هي .

” وجدتك سرحان يا حبيبي أخذته منك” ..

اطمئن أنه في حقيبة يدها، هذا ضمان لك، حيث لن تفقد شيئا مرة أخرى، ولن تحمل شيئا تفقده من الأساس بعد الآن، فعلا الحياة نفسها غير مضمونة، ولا يمكن الحصول على وثيقة تضمن حياتك مع هذه المخلوقة، لن يكتب لك أحد ذلك على ورق، ربما يمكن لاثنين أن يتعهدا على ذلك بكلمة، أنت واحد منهما، أكثر من ذلك.. انسى !

وعلى أي حال فأنت هكذا سعيد، وهي سعيدة، وموظف الخزينة سعيد، والشركة اليابانية الأصل سعيدة، والمجذوب الراقص سعيد، وأنا سعيد، وهذا القارئ الذي يشترك معك في عبطك سعيد، وذلك الذي لا يشترك معك سعيد، وكلنا سعداء، لماذا نبحث إذن عن ضمان سعادتنا التي نعيشها بالفعل، وستزول أحيانا وتعود أحيانا أخرى، وهذا هو الشيء الوحيد المضمون في الحياة، ولا يحتاج إلى وثيقة .

من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الحب يقطن علبة الدبابيس

تستفزها هذه المنشورات على الفيسبوك، “الحب ممكن يكون حلة محشي”، “العشق ممكن يكون صينية بسبوسة”. …

اترك تعليقاً