ابن المدينة

 

من مجموعة الكذبة المثالية - حملها مجانا.
من مجموعة الكذبة المثالية – حملها مجانا.

سكون، سبحت الأفكار حوله في الظلام، عندما سيطر عليه الشعور بالوحدة، دمعة لا سبب لها مرت بوجهه، نعى بلسان الأسى همسا “وحيد” ..

يبدو أنها بداية غير سليمة للقصة ..

 

 (1)
تجذب غطاءه الالتزامات، وتدفعه من فوق سريره بسرعة أمام مرآة الحمام التي ينظر لها لائما، ثوانٍ بطيئة، قبل أن يضع موس الحلاقة على هذا النبات الشيطاني، هاتفه المحمول يرن بالخارج، استجاب لمكالماته مرة والثانية منذ استيقاظه، ثم تعددت المكالمات التي لا يُمكن استقبالها كلها في بداية يومه، شغله يبدأ قبل استيقاظه، شاغله لا يتوقف، حتى في النوم ..

دائرة لا يتوقف عن الدوران فيها.

 

العشوائية ترسم حياته لوحة سريالية، سلاسل المياه تتوقف عن جر بعضها من الحنفية، في اللحظات الأخيرة، من حرث وجهه، التليفزيون يصخب خارجا بأخبار لا تسر عدوا أو حبيبا، وقنوات دينية لا تفتتح إرسالها بكلام ربنا، بل بكلام ربيبها، قصاصات الورق الملتصقة بشاشة حاسبه تذكره بأشياء لا يمكن نسيانها، لكن الورق المتبعثر على المكتب يستفزه.

يتحسر.

“آه لو الدنيا تقف دقايق يستريح فيها الواحد من الوَشّ ده كله”!

حتى النوم الذي أقلع عنه منذ دقائق، أمسى وسيلة للعذاب، فاض بالكوابيس، “كلها أحداث توجع الدماغ”.

(2)

الحافلة معرض فني لملايين من التعبيرات على الوجوه، تعدد، على الرغم من أن الطريق والوجهة واحدة، مزعج على الرغم من هدوء الناس في هذا التوقيت بالذات، كل وجه وتعبير يتأملها صاحبنا، يذكره بأحد معارفه، تفكيره لا يتوقف عند هذا الحد، يكتمل بالذكريات التي جمعته معه.

حتى الطريق المزدحم المليء بحركات روتينية، تعود عليها، لكنها تشغل تفكيره، وأحيانا تثير أحلامه، تلهمه أفكارا لعمله المختلف.

التعبيرات، الوجوه، الذكريات، الأحلام، الأفكار، وعمله الذي وصلت أمامه الحافلة، متكدسة في دماغه، التي فاق ازدحامها الحافلة.
“آه لو الأتوبيس يعطل وسط الطريق، الحركة تهدأ في الشوارع، والناس تقل!”

(3)

أن يتعرف على شخصين مختلفين في يوم عمل واحد، فهو دليل على هدوء يومه، إن قل عدد زملائه الذين يلتقى بهم بمقر عمله عن 10 فهذا يعني أنه إجازة، إن لم يطلب منه أكثر من 5 مهمات على الأقل، سيعاقب أحدهم على الإهمال، وإذا لم ينجز مهامه بسرعة وعلى أكمل وجه ستتعطل دائرة العمل.
لا وقت لأي شيء، لا وقت على الإطلاق، لا وقت لراحة أو تأمل، سوى في الساعة المخصصة للراحة، حينها يكون بين عشرين شخصا (مجازا)، يأكلون أثناء تجاذبهم أطراف الحديث، كأنهم جوعى للثرثرة وإطلاق النكات، يندمج معهم، ليساعد تصدع رأسه في السيطرة عليه.

“آه لو الإيقاع يبقى أبطأ!”
(4)

الأخوات، والأب والأم، العيال والأحفاد، واجتماع يشبه الحفل في الصالون لأي سبب من الأسباب، إذا تأخر ساعة واحدة فقط، كان قد تجنب المهرجان، واكتفى بالسلام على كل عائل جمع قبيلته وقرر أنه يرجع إلى بيتهم، لكنه كان موجودا في هذه الساعة، يلبس طرطورا ويغني، وكأن تعبه قد رحل عنه.
حتى أصحابه الذين مروا عليه بالسيارة، نزل معهم، ركنوا إلى مقهى، تكلموا، انهدش عندما تأمل يومه، فاكتشف أن ثلاثة أرباع يومه يقضيه في الكلام مع الناس، حاول تحليل يوم كل واحد قابله اليوم، فاكتشف أنهم أيضا يقضون ثلاثة أرباع يومهم، وربما أكثر في الكلام، تخيل أيَّ شخص في العالم، فاكتشف أن كل العالم نشاطه الرئيسي هو الكلام.

“آه لو الناس تبطل كلام!”

(5)

عندما يصل إلى البيت متأخرا كما اليوم، يكون البيت كله غارقا في النوم، الظلام يخبئه، تكات كالون الباب كأنها انفجار يقلق السكون الذي ينعم به البيت، الصالة مظلمة، لا يزعجها أيضا ولو بنور سهراية تكون دليله، يتركها نائمة مع كراسيها، يمر خلالها، خلال الطرقة، يمر على غرف بها ناس من أهله، وغرف كان بها ناس من أهله صار لهم بيوت، يدخل غرفته، ويجلس على كرسي مريح، متنهدا “أخيرا”.

اللحظات التي يعيشها الآن كأنها عالم بحاله، حياة متكاملة من الهدوء والراحة والخصوصية، لا يضحي بها لأي سبب من الأسباب، فيأجل لقاءه مع سرير الأحلام، هذا هو الوقت الذي يمكنه أن يتأمل فيه، ويفكر بهدوء.

تفكيره يذهب به إلى شيء طلب أنه يتوقف في يومه، يسترجع الساعات لحظة بلحظة، يتذكر كلامه وكلام الناس، يعيد تصوير الناس في خياله، كأن يومه يتكرر في هذه اللحظات، لكن الآن مشاعره تتحرك، لأن هناك وقت.
(وآخرتها)

أحداث كثيرة مرت به اليوم، لم تمر مرور الكرام أمامه، بعضها ضايقته، وأخرى تركت في قلبه سعادة، غضب من ناس، وآخرين أحب مجرد وجودهم في حياته، شعر بالسعادة لأنه حقق شيئا صعبا مرة، يجهز لخناقة للغد، ويبحث عن وصف معين بالكلمات والحركات يعبر عن مشاعره تجاه يومه، فيجد ..

يبحث عن شخص مأمون ينقل لها كل هذا، الكل نائم، والوقت متأخر، على مكالمة هاتفية، الجو هادئ .. سكون، وكل شيء متوقف كما طلب طوال اليوم .

نظر حوله، وانتابته مشاعر سلبية ..

من مجموعة الكذبة – حملها مجانا

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الحب يقطن علبة الدبابيس

تستفزها هذه المنشورات على الفيسبوك، “الحب ممكن يكون حلة محشي”، “العشق ممكن يكون صينية بسبوسة”. …

اترك تعليقاً