التبرع بالدم.. ظروف غير مشجعة ومأساة المرضى هي الدافع الوحيد (شهادة)

التبرع بالدم 2
في انتظار أن تُفتح الأبواب
التبرع بالدم ، جملة تستدعي ، أو يفترض أن تستدعي في ذهن سامعها أو قارئها معاني النبل والمودة والتعاون ، لكني ، كمتبرع دائم بالدم ، تستدعي عندي أشياء أخرى كثيرة.
ذكريات تبدأ من الرفض الأول ، لأنك دون السن ، ثم الخوف من المرة الأولى ، حيث تخترق تلك الإبرة وريدك ، ويبدأ دمك في التدفق أمام عينيك .
ككثير من الأشياء في مصر ، لا تجد نظاما واحدا متبعا في كل الأماكن ، فالأمر يخضع بشكل كبير للمزاجية ، حتى لتشعر أحيانا أن هذا شيء وذلك شيء آخر تماما .
أين تذهب دماؤنا ، وما مصيرها ، سؤال أيضا يبحث الكثيرون عن إجابته ، والشائعات فيه أكثر من الحقائق ، ولها أحيانا ما يبررها ويذكيها .
فحينما يحتاج قريبك لكيس دم ، وتدوخ دوخة الأرامل باحثا له عن كيس ، فيطلب منك سبعة متبرعين مقابل كل كيس ، أو يطلب منك بنك الدم 300 جنيه على الأقل للكيس ، بدعوى أنها ثمن التحاليل ، ستشعر أن تساؤلك وشكوكك مبررة وقوية
التبرعات تنوعت أماكنها وأسبابها وفتاواها وأنواعها وطرق التعامل فيها ،  ما بين مسجد ، وشارع ، وعربة إسعاف ، ومستشفيات ، وبنوك دم ، وحتى الخيام القماشية
الأسباب كانت مرة لغزة ، ومرة لمستشفى 57 ، ومرة يلتقيك طبيب متحمس يخطب في المارة بطريقة : يابختك يا فاعل الخير والثواب ، هذا بالنسبة للمرات العامة ، بينما قد تتبرع لمريض من أقاربك ، أو تم ترشيحه لك وترشيحك له من خلال المعارف أو من خلال نشاط بنك الدم في جمعية رسالة مثلا .
التبرع الخاص يختلف في إجراءاته ووقته ، فبينما التبرع العام لا يتطلب سوى الوقوف في صفوف المتبرعين حتى يأتي دورك ، يكون للتبرع العام طقوس أخرى وتعقيدات أخرى .
مقابل كل سبعة أكياس تتبرعون بها ، يحصل المريض على كيس ، ويعلم الله إلى أين تذهب الستة الباقية .
لا بد من تقديم أوراقك مع أوراق المريض ، والانتظار في طابور لا ينتهي حتى ينادي عليك .
ذات مرة تطابقت فصيلة دمي مع أحد أقاربي ، فدفعنا ثمن التحاليل ، وأخذنا دمي نفسه للمريض ، فصار يجري في عروقنا نفس الدم ، وتلك فكرة شاعرية لا بأس بأثرها وسط زحام المعاناة .

 

أيضا هناك أيضا مرضى أنيميا البحر المتوسط ، الذين يلزم أن يكون لهم متبرع ثابت ، لأن تغيير مصادر الدم خطر على حيواتهم .
في التبرع الخاص ، إن كنت ذاهبا لمريض عن طريق جمعية ، غالبا ما يعاني المريض مع المستشفى ومع متبرعيه ، لأن هناك من يعد المريض ولا يذهب ، فتخيب آماله ، ويضطر للبحث عن آخرين .
ذكرياتي كمتبرع طيلة حياتي ، لا تساوي ذكريات محتاج لكيس دم مرة واحدة ، الأمر يشبه المأساة .
التحليلات التي يعدونك بالحصول على نتائجها خلال أسبوعين ، لا تحصل عليها غالبا .
أما عن الفتاوى فحدث ولا حرج ، غالبا عكس بعضها ، حرك يدك.، لا ثبتها ، اشرب العصير أثناء التبرع ، لا تشربه أثناء التبرع ، ستة أشهر ينبغي أن تمر ، لا ، ثلاثة ، لا 56 يوما ، والمشكلة أن منها ما كان من أطباء ، والله أعلم بالصواب .
هناك التبرع العادي بالدم ، وهو يستغرق متوسط عشر دقائق تقريبا ، وهناك التبرع بالصفائح الدموية ، وهو معاناة ، يستغرق ساعة ونصف الساعة تقريبا ، مثبتا على الجهاز ، يسحب دمك ليستخرج منه الصفائح ثم يعيده لك مرة أخرى ، وذراعك مفرودة طيلة هذا الوقن ، ذات مرة ثنيت ذراعي بغير قصد فكدت أتسبب في كارثة لنفسي .
طرق التعامل معك كمتبرع تختلف بحسب المكان ، وبحسب مزاج الطبيب ، وبحسب حالتك كمتبرع عام أو خاص، المتبرع لمريض خاص في المستشفيات الحكومية جزء من معاناة المريض ، الموعد التاسعة ، يبدأون في العاشرة والنصف ، انتظار غير مبرر كثيرا ، وحدث ولا حرج عن المعارك التي تنشب مع أفراد الأمن ، وسب الأطباء في الممرات ، والمتبرعون السبعة الذين اكتشف الطبيب أن اثنين منهم يشربان المخدرات ، وثالث حشا ضرسا منذ أسبوع ، ورابع مصاب بفقر الدم ، واثنان بالسكر ، فلم يبق منهم إلا واحد ، وأحيانا يظن المريض أن هذا جزء من التعقيدات لا أكثر ولا أقل ، فيسخط على كل شيء .
هل من مخاوف ؟
طبعا ، بخلاف الخوف الأولي من أول مرة تبرع ، تجد بعض الخوف من انتقال أمراض إليك كمتبرع ، من أدوات غير معقمة ، أو جرح من طبيب غير ماهر ، أو من أثر ذلك التبرع على صحتك فيما بعد ، وتضارب الفتاوي يذكي هذه المخاوف وينميها
هناك أيضا أماكن لا يثق فيها المتبرع ، وذلك من واقع مشاهدته فحسب ، بغير معلومات مؤكدة ، لكني حين ذهبت لبنك الدم باحثا عن كيس لقريبي المريض فباعوا لي الكيس ، كففت عن التبرع بعدها لعربات الإسعاف المكتوب عليها المركز القومي لنقل الدم ، وقصرته على المرضى الخاصين ، وعلى أوقات الاحتياج العام  للجرحى والمصابين
هل أثق بأماكن أكثر من غيرها ؟ يا عزيزي نحن لم نعد نثق في شيء!
لا يوجد ، في الواقع ، ما يشجع على التبرع بالدم ، إلا رغبتك في عمل الخير ، وإلا أنشطة كنشاط بنك الدم في جمعية رسالة مثلا ، فهو يجعل العماية تتم في إطار من التحفيز والتشجيع
لذلك ، فإن زيارة لمكان كهذا ستجمعك بالكثير من المتبرعين ، وستسمع وترى ما لم تكن تحسب أنه يحدث في الواقع أصلا
من ساحة انتظار التبرع بالصفائح بمعهد ناصر ، أختم كلماتي بأن أتمنى الشفاء لكل مريض ، والدعاء للجميع بالعافية ، فأصعب من المرض في بلادنا روتينيات علاجه ومعاناة المريض وأهله في ممرات المستشفيات

عن عبد الرحمن المكي

عبد الرحمن المكي
مدرب لمهارات اللغة عربية

تعليق واحد

اترك تعليقاً