للاستهلاك المحلي

أرى أننا بدأنا نتفتت في كل قضية نمر بها
أرى أننا بدأنا نتفتت في كل قضية نمر بها

لا اذكر اسم من ظهر على قناة الحياة متحدثا من لندن بعد التنحي ليتكلم عن الفساد المالي في عهد مبارك، ولا اريد تذكر اسمه، ارجو من المعلقين ألا يتعبوا نفسهم في البحث عن اسمه أو في تاريخه، لقد صال وجال الرجل في اتهامات لرموز النظام السابق ورجال اعماله، لكنه قال في نفس الوقت مبادرا من نفسه “الكل يعلم أني كنت تاجر عملة – ايوة انا كنت تاجر عملة في وقت من الاوقات” لم يسأله احد او يهاجمه، لكنه اراد أن يدلل على أنه لا يخاف من الهجوم عليه، أو ليس لديه ما يخسره.

 

حتى هذه اللحظة لازلت متشككا في أذني التي سمعت هذا الكلام في أول يوم حرية كما اعتبرناه جميعا، اقول احيانا لعلني اخطأت، لكن على كل حال هذا الرجل اصلا هارب كغيره من رجال اعمال مصريين كثر خارج البلاد منذ زمن، لاسباب مختلفة.

 

كنت اسأل لزملائي الصحفيين، هل سننغمس في هذا المستنقع؟ البشائر هلت، وتصفية الحسابات ستطفو على السطح، وكانت ضرورة العمل الصحفي تجيب من تلقاء نفسها بأنه لا يمكن تجاهل ما سيطفو على السطح من فساد، كان يرى ايضا اصدقائي من الناشطين السياسيين أنها ضرورة لا يمكن التخلي عنها في هذه المرحلة، الفساد يجب ملاحقته.

 

كنت اخاف من أن ننسى، وهم ايضا كانوا يخشون النسيان، كنت اخاف أن نظل لاهثين خلف هذا القطار حتى ينهكنا الركض، ونسقط دون أن نحقق شيئا للمستقبل، وكانوا يخشون أن ينسى الناس لمَ قامت الثورة وعلى من، كانوا يخشون من أن يبقى من يجهضها.

 

ويبدو بمرور الايام والشهور، أن مخاوفنا جميعا بدأت تتحقق، لقد اصبحنا ندور في دوائر مغلقة، بدا أن التخطيط وإدارة المرحلة التي تؤدي إلى مستقبل افضل أنها تجري بشكل عشوائي يثير الاحباط، وكذلك اجراءات الملاحقة والمحاسبة والتطهير تجرى ببطء يثير الغضب، وبدأ شعورا عاما يسري لدى ثوار كثيرين أننا في مرحلة تبريد أو تجميد للثورة.

 

بجانب هذا ظهرت على السطح قضايا فرعية، بعضها فرعية، وبعضها يعتبرها البعض فرعية، لا داعي للخوض فيها، وصفت حين ظهورها بأنها ثعابين وعقارب النظام السابق الذي اهمل حل المشاكل من جذورها، فهبت في وجهنا فور فتحنا للباب المغلق لعقود طويلة.

 

كما ظهر الإنقسام واضحا منذ أول يوم بعد التنحي، لن اتطرق إلى تفاصيله المعروفة والتي نعيشها يوميا، لكني اذكركم به عندما بدأ، حين قيل أننا يجب أن نعود إلى بيوتنا فقد تحققت المطالب، وقيل ايضا أننا يجب أن نفضل ثائرين حتى النهاية، وهذه البداية والفلسفة هي السر وراء كل خلاف او انقسام بين القوى الوطنية وبعضها وبينها وبين الناس وبين الشباب وبين المجلس العسكري والإخوان.

 

ثم ندخل في حرب قوائم العار، لنخرج منها لقوائم من باعوا الثورة، لنعرج على القلة المندسة التي تثير الوقيعة والفتنة، لنصل إلى الجماهير الساذجة ممن يسمعون كلام إيلان ليحرقوا الكنيسة ويهاجمون المجلس العسكري.

 

الأمر الذي دفعني لكتابة رسالة لاحد اهم كتاب المرحلة مستغيثا ملخصها أنني آرى هناك انغماس كامل في كل ما هو آني، دون التفكير في المستقبل القريب، الذي سيؤثر على مستقبل مصر خلال عقود إن لم يكن قرون، وهو البرلمان المقبل، والدستور، وعلاقات مصر الخارجية.

 

حتى إن وصلنا لمرحلة الانتخابات والدستور، اعتبرناها مفاجأة – كما كان حالنا حال اي قضية في عهد النظام السابق – ووقعنا في فخ من لديهم سيناريوهات كاملة ليقودوا هذه المراحل إلى حيث يحبون دون مشاركة باقي المجتمع، وهذا مرفوض حتى وإن قادونا إلى ما هو جيد وخير، فعدم المشاركة يعيدنا إلى المربع صفر في دور المواطن المصري الذي ظل به خلال عقود.

 

غير أني لم اتلقى إجابة، أو المس تغيرا في مقالات العديد من كتابنا التي لا تخلوا من صراع، في الوقت الذي يقف فيه الناس على اعتاب اختيار دون أن يحددوا إلى أين سيتجهون، لقد اجاب 11 الف بانهم لم يحددوا لمن سيعطوا اصواتهم في الانتخابات المقبلة، في تصويت اجرته صفحة خالد سعيد اجاب عليه 40 الفا، أي أن ربع المصوتين الرؤية لازالت غير واضحة لديهم، ماذا عن باقي المصريين؟

 

ماذا عن تكرار لنفس مأساة الاستفتاء الماضي، حيث لم يصوت المصريون بنعم أو لا على مواد بعينها، بقدر ما صوتوا لاسباب متباينة ومختلفة ليس لها علاقة إلا بالموقف السياسي والموروث الثقافي ممن دعوا لنعم أو إلى لا، فانقسمنا واصبحنا على ما فعلنا نادمين.

 

ألا يبدو كل هذا الاستهلاك الذي عانينا منه لاكثر من اربعة شهور، ضاعت فيه طاقتنا، وقدرتنا على الحوار، والتوافق والعمل المشترك، واحيانا العيش المشترك، ستقودنا إلى سيناريو مشابه لا سمح الله؟ ألا يجب أن ننتبه كي لا نجد أنفسنا بصدد قضية تغيير وليس مسألة تحول ديموقراطي، وتحريك للمياه الراكدة وليس فتح مجرى للمياة تتدفق فيه الحياة الحرة العادلة الكريمة.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً