حرية التعبير في مصر: “هو هو” ومتعضش

من ملف "حرية التعبير في مصر" - مجلة فورورد - العدد التجريبي يوليو 2010
من ملف “حرية التعبير في مصر” – مجلة فورورد – العدد التجريبي يوليو 2010

اتصل احد مشاهدي برنامج العاشرة مساءا في حلقة الفنان الكبير محمد صبحي المذاعة يوم الاربعاء 17 مارس 2010، ليقول رأيه بصراحة في الوضع العام في مصر، وحاول تلخيص رأيه في بعض الجمل التي لو سمعها الإعلامي حمدي قنديل لضمها لفقرة الاقوال المأثورة في أحد برامجه التي توقف دائما بعد أن تحقق نجاح وتأثير ساحق.

قال المشاهد الكريم: أن “في مصر فيه ذكاء في الغباء”، حيث أن على الرغم من أن لمصر دول جوار تعمل بنظام ” كل و اشرب بس متفتحش بوقك” إلا أن مصر لها وضع مختلف لأنها بتعمل بنظام ” هوهو بس متعضش”.

وعلى الرغم من انقطاع الاتصال، بشكل درامي صرخت فيه منى الشاذلي مقدمة البرنامج “لأ لأ مينفعش كده” إشارة إلى أن أنقطاع الاتصال الغير مقصود من الممكن تفسيره بأنه قطع لرأي مشاهد مع سبق الاصرار و الترصد ارتكب في غرفة الكنترول، إلا أن رسالة المشاهد وصلت إلى حد كبير، وعلى الرغم من غموض الفاظها إلا أنها لم تخلو من دلالات و اشارات لها معناها الواضح في الوضع العام في مصر، سواء على مستوى المعيشة أو على مستوى حرية التعبير وابداء الرأي.

وعقب الفنان محمد صبحي على الاتصال ” أن في الدول الاشتراكية بيتقال للمواطن كل و اشرب بس متفتحش بوقك، وفي الدول الرأسمالية بيتقال للمواطن افتح بوقك و قول رأيك بس حنعمل إلي عايزينه، لكن فيه مزج في بلادنا بين النظامين، بأنك لا تفتح بوقك لا للأكل ولا للشرب ولا حتى تقول رأيك”.

 وبين السماح لاتصال هذا المشاهد أو غيره، وانقطاع اتصاله أو غيره، وبين وصفه اللاذع، وتعقيب الفنان الكبير الاكثر تهكما، هناك مساحة من التعبير في مصر على الاقل في الخمس سنوات الاخيرة لا يمكن تحديد ما إذا كانت مجرد “هوهوه” بدون تأثير، أم أنها مجرد مساحة ضيقة يمكن التعبير فيها بالطول والعرض، على أن كل مواطن يلزم حدوده بعدها.

وفي نفس سياق مساحة “الهوهوه” المطروحة من عهد التعديل الدستوري الأول أو قبلها بقليل، ومرورا بالاستفتاء ثم انتخابات مجلس الشعب ورئاسة الجمهورية، ثم التعديلات الدستورية الثانية، ثم الاستفتاء، وصولا إلى “هوجة البرادعي”، والتحضير لانتخابات شورى وشعب ورئاسة خلال سنتين تاريخيتين في عهد مصر الجديدة، انفجرت طاقات من الكلام داخل المجتمع المصري، سواء في الصحافة أو في الإعلام أو الإنترنت، وبشكل يراه اكبر رسام كاركتير في مصر انه بالفعل “هوهوه”، حيث رسم مصطفى حسين في صحيفة الاخبار كاركتير ايام التعديلات الدستورية، صور فيه البيوت المصرية من بعيد تخرج منها “هوهوه” مختلفة الاحجام، ومواطن يقول لزميله ” كل ده علشان شافوا حتة حرية أمال لو شافوا الحرية كلها حيعملوا ايه”.

وبعيدا عن تكرار نشر نفس الكاركتير اكثر من مرة في الجريدة، تحت شعار “بناءا على طلب الجماهير” الذي يرفعه مصطفى حسين كلما كرر نشر احدى رسوماته، في اوقات يرى أنها تستدعي توصيل نفس الرسالة، منها مرحلة توجيه الاتهامات المتبادلة ما بين الصحف القومية من جهة، والصحف المستقلة و المعارضة من جهة أخرى، والتي بدأت بتوجيه تهمة النفاق والتطبيل و التزمير، وانتهت بتوجيه تهمة السوداوية والعمل باجندات خارجية.

فإن حالة “الهوهوه” – إن سلمنا بوجودها وبتسميتها –  لا يمكن تعميمها على الشعب المصري كله، حيث أن ابطال هذه الحالة هم السياسيون وصناع الصحافة و الإعلام، أما باقي الشعب.. فبالنيابة عنه، يتصارع كل اصحاب الرأيي وصناع القرار فيما بينهم، لتحقيق مصلحة ما، احيانا مصلحة عامة، واحيانا مصلحة خاصة، واحيانا مصلحة لا صالح للناس بها.

ويبقى في النهاية طرف لا يمكن إغفاله، وهو الشباب، هو اهم طرف على الاطلاق، لأنه هو الذي قد يؤمن بـ “هوهوة” هذا أو ذلك، وهو الذي يمكنه أن يردد بصوت أعلى من أي طرف آخر خلف أي صاحب رأي، ليحدث فرق في العالم، لو آمن بأن ما يقال هو للصالح العام، وأن ترديده سيأتي بنتيجة، وأن الهدف منه هو الخروج بالبلد من عنق الزجاجة المحشورة فيها من ايام الثورة، لا مجرد الهوهوه على الفاضي والمليان، أو أنه مجرد مساحة للتنفيث، لا يؤخذ به عند التنفيذ.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

الكنز.. الحقيقية الاسطورية داخلنا

  يفُتتح الفيلم بجملة تنويهية تقول : أن هذا الفيلم مستلهم من الاسطوره لكنه غير …

اترك تعليقاً