حالة نفسية

نشرتها على صفحتي الرسمية على فيسبوك
الاحد 5 يونيو 2011
وفي الحالتين، لم نستطع – كشعب وصفوة – إكمال ما بدآه الزعيمان، بعد كسرهما، على مدار قرون وعقود

توقفت كثيرا أمام المحاضرة التي القاها اعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة على ما يزيد عن ألف شاب، واسماها لقاءا معهم، على الرغم من أنه لم يستقبل منهم شيء سوى الهتافات التي كان يطلقها رجال تزيد اعمارهم عن الاربعين على أقل تقدير في قاعة كان من المفترض أن تحتوي على شباب الثورة فقط، لكن تركيبة الحضور اضفت معنى آخر على كلمة “شباب”.

إلا أن هذا المعنى لطالما روج له، خلال العقد الماضي على الأقل، كان من يقترب عمره إلى الخمسين فهو شاب ايضا، بل هو المعنى الأصلي للشباب، ومن هو دون ذلك فهو من المراهقين، إلا أن بفشل خطة العقد الماضي في استخدام هذا المعنى، وسقوط هذا المشروع الحالم الذي راود الأسرة الحاكمة وكل المؤسسات التي دعمت “إكسير الشباب” لهذه الأسرة، أعاد هذا التعريف لأصحابه الأصليين من حملة العشرين عاما.

وبعودة التعريف لأصحابه، انتزعت منهم صفات الكهولة المبكرة في قلة العزم والإرادة، وانمحت منهم صفات الصبيانية المتأخرة في قلة الأهتمام بكل ما هو مصيري، ليخرج شباب مع شعب مصر من حالته النفسية التي كانت تؤكد له أن كل شيء محسوم، ومكتوب، وأنهم غير غير جديريين بأن يٌعربوا كـ “فاعل” في أي جملة فعلية.

وكانت هذه خطورة مشروع التوريث، ليس في توريث البلد، أو ضياعها، وضياع حقوق شعبها، بل في خطورة الحالة النفسية البائسة التي كانت ستلازم المصريين باقي تاريخهم، في أنهم تم توريثهم دون أن يفعلوا شيء.

لم يكن اعتراضي على التوريث، إلا من هذا الباب، لم أكن اسمع لأي مناقشة تبدأ “طيب اسمع برنامجه الأمول”، وكان أملي (على الأقل) كما قلت لزميل غير مصري “أن الموضوع لا يمر بالساهل كما ينتظرون”، فلم اسمع برنامج والحمد لله، ولم يمر الموضوع لا بالساهل ولا بالصعب، فلم اعد أنتظر – كغيري من ملايين المصريين – الأقل، كما هو الحال بعد الثورة.

*********************************************************

من اللقاء المزعوم خرج ما يقرب من 1400 شخص حملوا صفة شباب الثورة من القاعة هاجمين على متعلقاتهم الشخصية وموبيلاتهم التي انتزعت منهم قبيل دخولهم، خشية أن يصور اللقاء بعيون ناشطين، لا بزوايا كاميرات القنوات التي كانت تحركها عناصر القوات المسلحة حسب توقيتات معينة، فلم تصور سوى دقائق، لينفرد المجلس بتصوير لقاءه بشبابه بكاميراته، في بث غير مباشر.

ولا داعى للخوض في تفاصيل هذا الهجوم الذي زاد شكي في أن معظم من حضروا ينتموا لأي أئتلاف أو أي شكل تنظيمي، وربما لم يقفوا في لجان شعبية من الأساس، فقد غاب عنهم ابسط قواعد التنظيم والتفاهم، ليصبح الحصول على المتعلقات الشخصية اسوأ من الحصول على رغيف عيش في منطقة معدمة.

اصبح الذين كانوا يهتفون في الداخل “اقعد – اسكت” ضد أي من يحاول الاعتراض أو توجيه ملاحظة أو حتى هتاف اثناء المحاضرة، يفرغون كبتهم الذي اختاره لهم المجلس العسكري، وفرضوه على انفسهم، في الصراع على الوصول إلى متعلقاتهم الشخصية، دون فائدة، فالمجندين المسؤلين عن سحب الموبيلات لم يستطيعوا تحديد اماكنها او ترتيبها، ليقفوا دون أي فعل يذكر أمام الجماهير في ارتباك، فلم يستلم احد متعلقاته قرابة الساعة، وسط تدافع لا جدوى منه، إلى أن تدخلت قيادات واعادت الحضور مرة اخرى للمسرح ليتصرفوا في موضوع ترتيب الموبايلات في ساعة اخرى.

لا استطيع أن اصف لكم، كم الإحباط الذي ظهر على الحضور، ولا يمكن تحديد ما إذا كان بسبب اللقاء أم بسبب سوء التنظيم، فقد شاهدت من يشكر في اللقاء ثم انفجر غاضبا منه بعد ما واجهه من قلة قيمة بسبب سحب موبايله منه، وعدم قدرته على استعادته بطريقة محترمة.

وحاول البعض أن يروج نغمة أننا – الحضور – السبب في هذه السبب، وأن التحضر منعدم فينا، وأننا يجب أن نكون مسؤلين اكثر من هذا، ولا اشك لحظة في أن هذه النغمة لا تخلوا من حقيقة، إلا أن ما حدث ذكرني بالنظام القديم الذي كان يخرج منا اسوأ ما فينا بسوء إدارته.

ذكرني اللقاء، الذي كان حلقة في سلسلة من محاولات المجلس في البحث عن دعم كافي يجعله “يتحكم” في المرحلة الإنتقالية، ولا يديرها، “يوجهها” في المسار الذي يظنه صحيحا، ولا “يستكشف” مع باقي المجتمع الطريق الذي سنمشي فيه جميعا وسنتحمل معا تبعاته، بمحمد علي الذي ضرب الجميع بالجميع، ثم نحى ونفى من تبقى منهم، واستبقى الشعب المهاود والهتيفة، وبجمال عبد الناصر الذي فرض الحلم على الجميع، بالطريقة التي اعتبرها صحيحة.

وفي الحالتين، لم نستطع – كشعب وصفوة – إكمال ما بدآه الزعيمان، بعد كسرهما، على مدار قرون وعقود، إذ لم نكن اصحاب للمشروع أو للحلم، لاكتفاءهما بتوزيع منافعه علينا، دون اصوله المتمثلة في المشاركة الفعلية.

فاصبحنا هذا الشعب المفعول به، الراضي بقليله الذي وزع عليه، إلى أن عادت بنا الثورة، كي لا نرضى، بل لنحلم، كي لا ننتظر نصيبنا، بل لنصنعه، لنعرب فاعلا، ليس مفعولا به، لنعد شبابا، نقف أمام أي مشروع – حتى ولو كان وطني – لا يضعنا كلنا في مركبة واحدة نتشارك في إبحارها، في الوجهة التي نريدها كلنا ونحلم بها، لا حيث يرمي بنا القائد والسلام، وإلا علينا وعليه السلام حين يغيب القائد من حياتنا في ظل غياب اهتمامنا بالوجهة المشتركة من قلوبنا جميعا.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في العزلة رحلة ذهاب.. لا عودة

أدركت اليوم أنه لا رجوع لما نسميه “الحياة العادية، أظن أنني بشكل لاشعوري أعرف هذا …

اترك تعليقاً