توافق مصيره التجاهل

ما الذي يلزم أي "قادم" بأية توصيات خرجت من مؤتمر الوفاق الوطني، أو المجلس الوطني، أو مؤتمر مصر الأول؟
ما الذي يلزم أي “قادم” بأية توصيات خرجت من مؤتمر الوفاق الوطني، أو المجلس الوطني، أو مؤتمر مصر الأول؟

ما الذي سيقوله البرلمان القادم، الهيئة التأسيسية للدستور، الرئيس، والحكومة القادمة إزاء عشرات التوصيات التي خرج بها مؤتمر الوفاق الوطني، هي توصيات على الأرجح لن تنفذ خلال الحكم العسكري، اغلبها توصيات طويلة الأمد بدرجة مدهشة كمسألة تجنيد الفتيات، أو متعلقة بالدستور الجديد الذي يؤرجح العقول ويؤرق العيون، أما ما هو آني أو ما يجدر به أن يكون آنيا كتوصيات لتشريعات تنظم المرحلة الانتقالية، لا اعتقد أنه اؤخذ في الحسبان لدى المجلس العسكري الذي يدير المرحلة منفردا، اللهم فيما يخص قانون مجلسي الشعب والشورى وذلك بعد أن قطع المجلس العسكري شوطا تشريعيا طويلا فيما يخص الحياة السياسية المصرية، فقامت الدنيا لكنها قعدت بتمرير المجلس تصوره لقانون المجلسين لكي يناقش.

 

ما الذي يلزم أي “قادم” بأية توصيات خرجت من مؤتمر الوفاق الوطني، أو المجلس الوطني، أو مؤتمر مصر الأول؟ يصول ويجول مرشحي الرئاسة المحتملين انحاء الوطن، وتتناظر الاحزاب السياسية الجديدة والقديمة فيما بينها، وتتصارع التيارات السياسية والفكرية، حول رؤية كل منها ومن أجل الترويج لها، هل لدى أيا منهم أدنى رغبة أو مجرد تقبل أن يأخذ في الاعتبار هذه التوصيات ضمن رؤياهم باعتبارها خارجة عن أداة للوفاق أو التوافق أو للاتفاق ما بين اغلب القوى الوطنية؟

 

سيكون مثيرا للدهشة موقف الساسة في هذا البلد إذا توافقوا بعد أن يختاروا من يمثلهم، ومن يديرهم، على أن يتجاهلوا ما توافقوا عليه، ستكون أية دعوة للحوار بعدها غير ذات جدوى أو مصداقية، وسيزداد جنون الاستقطاب، وشراسة التطاحن والصراع ما بين التيارات وبعضها، وربما ينعزل الناس مجددا عن الشأن السياسي باعتباره مصدرا لوجع الدماغ، الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع ينهش في خدمات ومرافق لا تقدم للمواطن منذ عقود.

 

لقد طرح المجلس القومي وثيقته أمس للمبادئ الدستورية التي تضمنت على بعض الآليات الضامنة لحماية الدولة المدنية، منها عدم جواز تعديل المواد الدستورية المتعلقة بمقومات الدولة وهويتها ونظامها الجمهوري، وإنشاء مجلس أعلى للتخطيط الاستراتيجي لكل قطاعات الدولة، على أن ينتخب أعضاؤه من جهات محددة، حسبما اشارت المستشارة تهاني الجبالي، لكن ما الذي سيجبر الهيئة التأسيسية المختارة من البرلمان القادم على أن يأخذ بهذه المبادئ، خاصة وأن هناك يصمم على الانتخابات أولا من أجل طرح رؤيته منفردا أو مغالبا في صياغة الدستور؟

 

كيف سيتم التوافق على أن تكون هذه الوثيقة حلا وسطا ما بين الدستور أولا والانتخابات أولا، كي لا يشعر طرف بأنه مغلوب من طرف آخر، في الوقت نفسه الذي هجر فيه الإخوان كافة أنواع الحوار منذ البداية محضرا نفسه لمعركة الانتخابات، وانسحبت حركات احتجاجية وشبابية من الوفاق الوطني لتعود إلى الشارع من جديد مناضلة ضد ما تسميه التفاف على اهداف الثورة؟ ومن الذي سيقبل بهذه الوثيقة دون غيرها، فهناك وثيقة البرادعي التي يحشد لها ناشطون وحقوقيون، وكذلك وثيقة الأزهر التي أثارت اهتمام المثقفين؟

 

إن التخبط الذي نراه في إدارة المرحلة، تقف خلفه هذه الأسئلة التي تؤكد على أن الدعوة للحوار منذ البداية لم تكن جدية، إذ لم يكن الهدف من هذا الحوار تحديد ملامح المرحلة الانتقالية أو المشاركة في إدارتها، ولم يكن من مهامها رسم ملامح المستقبل، أو التخطيط لخريطة الطريق تستجيب القوى الوطنية ومن يقوم على الأمر أن يسيروا على خطاها.

 

فإذا نظرنا إلى ما أدى إليه الحوار من انفصال الساسة عن الجمهور، وعن دائرة اتخاذ القرار، أو حتى التأثير فيه من باب حشد المعارضة الشعبية له، سنجد أن الهدف كان مختلفا تماما من هذا الحوار الذي افسح المجال “لجرجرة” الجميع في طريق واحد، دون معارضة سياسية حقيقية، لذا كان من الطبيعي أن يعود الساسة لمقاعد الحوار والتلفزيون، والنشطاء والشباب إلى الفيسبوك والشارع.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً