بعد قليل .. الخطاب الأول لرئيسكم التوافقي

وسيتمنى الناس وقتها لو اختاروا، رئيسا أدرك أن الثورة مستمرة
وسيتمنى الناس وقتها لو اختاروا، رئيسا أدرك أن الثورة مستمرة.

سيلقي كلمته أمام المجلسين، بعد أن يقف دقيقة حداد – كما جرت العادة – على ارواح الشهداء، ترى أي شهداء يقصد؟ لن يختار كلمة واحدة ألقاها الرئيس المخلوع من قبل، في مستهل خطابه، بشكل أو بآخر سيبدو في هيئة الواثق، والمستحق لمنصبه الذي لهث خلفه الجميع شهورا طول، ربما منذ أول يوم قامت فهي الثورة، التي سيكرر اسمها أكثر من مرة كلما طلب التصفيق.

 

أي نوعا من الرؤساء هو؟ إجابته، خطابه الذي سيؤكد على مبادئه التي روج لها في حملته الإنتخابيه، والمستلهمة من روح الثورة، عيش – حرية – عدالة إجتماعية، عيش – حرية – كرامة إنسانية، سيلقي أمام البرلمان مستبقا الجميع، حزمة من إقتراحات لمشاريع القوانين، وحزمة أخرى من القرارات التنفيذية التي تقع تحت سلطته، وسيطلب التحقيق، الرقابة والتحقيق، في بحر من القضايا.

 

أفلح إن صدق.

 

يلقي تحيته وسط تصفيق شديد، حيث لن يعترض احد على كلامه، ولن يعلو في حبه الهتاف تحت القبة، لن يعلق احدا على يمينه الدستوري سواء التزم بنصه القديم، أو ابتكر، الجميع سيشهد أنها لحظة تاريخية فارقة أمام العدسات، لطالما فعلوا، وتغاضوا عن اشياء اهم من يمينه المبتكر.

 

في مرحلة ما، سيصافح عددا من النواب، يفضل ألا يكونوا كلهم، سيبحث المواطن ساعتها فيه عن مبارك الذي كان يتلقى المبايعة من اعضاء المجلسين، وعن يمينه كمال الشاذلي يشخط في النائب الذي يطول سلامه على “الريس”، وسيدهش المواطن سواءا صافح بعضهم أو الجميع، من كم هذا الود الذي سيجمعه بنواب لا يمكن الاتفاق معهم من حيث المبدأ، وهذه الحرارة التي تذيب ثلوج الهجوم الشرس على شخصه من قبل بعضهم في الماضي القريب.

 

وبينما يتحرك موكبه، ينفض المجلس، النواب من تحت قبتهم، والثكالى من الأهالى من اعتصاماتهم، والمحررون من على مكاتبهم، والعاطلون من على مقاهيهم، وعموم الصامتون من “كنبهم”..

 

وتستمر الحياة..

 

بعد أيام، يكلف البرلمان لجانه بحث مشاريع القوانين التي تقدم بها الرئيس، تبحث الحكومة سبل تحقيق حزمة الإجراءات التي طالب بها، وتتوالي عناوين الاخبار عن مجرى التحقيقات الجديدة، في البداية سيتبادل الجميع على فيسبوك وتويتر المعلومات، ثم النكات، ثم يذهب قطاع كبير منهم إلى أن “مفيش فايدة”.

 

العسل الإعلامي، والسياسي، لا يدفع احد إلى المواجهة، لا يريد احد، رئيسيا كان أو برلمانا، معارضا أو فلول، أن يبادر إلى حلبة المصارعة على السلطة، وفرض اجندته، إلى أن يجبر الجميع على هذا.

 

اعتصاما يفض بالقوة، شهيدا آخر، فضيحة مدوية، “فلّا” آخر يحصل على منصب كبير، والمليونات تعم، يعكر العسل الابيض، وتطفوا على السطح الإتهامات، بينما تقف الصلاحيات والمسؤليات حائرة بين المسؤلين لا تعرف لها صاحب.

 

تتصاعد الأمور، ثم تهدأ..

 

وينتظر الناس مخلصا آخر..

 

دستور جديد، برلمان جديد، رئيس جديد ..

 

ينتظر الناس، وتمر الأيام ..

 

كدائرة مغلقة، تدور وتدار البلد، كأنها لم تكن ثورة ..

 

كانت لعبة دومنيو، إعيد ترتيبها ..

 

من أجل الاستقرار !

 

وسيتمنى الناس وقتها لو اختاروا، رئيسا أدرك أن الثورة مستمرة، أتى ليقودها، ليتحمل عواقب قرارته الثورية من اليوم الأول، حيث سيثور ضده المتضررون، ستغضب الداخلية، ستهبط من السماء فتنة طائفية، وتتوالى حوادث السطو هنا وهناك تحير الناس، سيطالب منافقون تدخله، مرة بإعادة العمل بقانون الطوارئ، سينشادونه أن يعيد نفخ عجلة الإنتاج، تنهشه الأقلام مبكرا وتشكك في بطولة مواقفه المزعومة، وتعيد فتح عليه ملفات الجديد والقديم.

 

رئيسا كلما تكالبت عليه ضغوط مستفيدي 60 عاما من حكم العسكر، استطاع أن يستمد شرعيته من الشارع الذي يثور داعما لمطالبه الثورية، أن يستغل الشارع لا أن يستبدله، باتفاقات وموائمات سياسية مع قوى استفادت من حدث لم تشارك فيه، لم تكن مدعوة ايضا.

 

سيقارن الناس وقتها، ما بين الفوضى المزعومة التي سيقودها هذا الرئيس، وبين الفوضى التي يعيشونها، سيفضلون بالتأكيد فوضى الشارع، عن فوضى إدارة البلاد، سيتمنوا لو أنهم فقط اختاروا شخصا يستطيعوا الضغط عليه فيستجيب لمطالبهم، فلا يركع، يراقبونه فيحذر، ويعتذر، ويصحح المسار.

 

ستتمنوا أن يتذكروا خطابا صادما، وليس توافقيا، استهل به رئاسته، ليجذب إليه عداوة اعداء الثورة، وليحشد به ثوارها، خلفه، خلف حلمه المستمد من شهداءهم، وإن وصفوا كلهم بالبلطجية، بقطع علاقتهم بالدولة القديمة ورموزها وفلولها، ليبنوا دولة لن يساعدهم احد في بناءها .. بالوفاق.

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً