اتفضل سوق

نشرتها على صفحتي الرسمية على فيسبوك

اتفضل سوق

تقول النظرية الرائعة أن “مصر بقالها 7000 سنة بتتسرق ولسه فيها خير”، وأن “الطفل المصري اذكى طفل في العالم، قبل ما يلتحق بالمدرسة”، وأن “البلد دي مليانة علماء”، و “البطل المصري بيصنع المعجزات باقل الإمكانيات”، ومؤخر اكتشف مؤرخ فيسبوكي “أن مصر ملهاش رئيس يحكمها، ولا مجلس يحط لها قوانينها من اربع شهور، والشعب عايش طبيعي ولا كأن فيه ثورة حصلت”.

صباح الجمال، جميع الحقوق محفوظة للشعب المصري، خفيف الظل، وجميل الروح، الإيجابي المنطلق في الحياة، قبل ما يسمع عن ابراهيم الفقي، أو يسمع من عمرو خالد، أو يستضيف طارق سويدان، لن الجأ إلى الدكتور باسم الشماع، أو صلاح عناني الفنان التشيكلي الشهير، أو أن اسافر إلى الدكتور زاهي حواس وزير الاثار إلى غربته ومهربه لكي يثبتوا أن كلمة إيجابية هي في الاصل، اصلها وفصلها يعني فرعوني، ولها إلاهها ايضا.

ليست هذه النظرية، فالمصري في مجمل حِكمه السابقة، لم يرسخ في مجتمعه القيم الإيجابية فحسب، بل جمعها في معجزة تضاف إلى معجزاته، الهرم وأبو الهول وفنار الاسكندرية، ومكتبة الإسكندرية بإصداريها القديم والحديث، بالسلبية في وقت واحد.

لقد وقف الخلق – من صنف المصريين – جميعا، أمام هذه المقولات التي رددها من الرئيس إلى الغفير، ومن المثقف لعربجي الحمير، يمصمصون الشفايف ومعلقين “شوف أزاي!”، و”سبحان الله، له في خلقه شؤون” و”حسبي الله ونعم الوكيل”، ثم يعودون من حيث جاءوا من عشوائيات، وزحام، وتلوث، وفساد، وكأن القصة فيلم كان فيه العبر، لكنه مسلي فعاشت الفرفشة وتسقط العبر.

وعندما قامت الثورة، راحت الحسرة وجاءت الفكرة، واكتشف هذا الشعب أنه تورط، وأن استحالة يعود الوضع إلى ما كان عليه من مصمصة للشفايف، وأنه لن يستحق تعاطف أي إنسان على وجه الأرض حتى نفسه، لو عاد إلى قواعده كئيبا وسلبيا، لذا اصابه الهستريا عقب نجاح الثورة في الإطاحة برأس الفساد.

فراح يجري يمين وشمال كالمجنون، يكنس الشوارع، ويحلف على المصحف أنه لن يرشي ولن يرتشي، وأنه وحياة ولاده ليكون إيجابي وينزل يصوت في الاستفتاء، أو حتى يرقع بالصوت على نتائجه، ثم بدأ يسب ويلعن على فيسبوك وتويتر والقهوة كل من خان الثورة أو مسئولا ملاوعا “ابن كدابة” من الفلول، بمبدأ المقاومة الحنجورية، وعلى مذهب خدوهم بالصوت.

إلا أن مشاركاته اصبحت صفرية، بعد ما كان لها الكلمة العليا في اتخاذ القرار في بدايات الثورة، نظرا للانقسام، أو لعدم عمليتها أو علميتها، ومع استئناف الدوري العام العجيب، حيث السيرة الإهلاوية، وحكاية الشاطر حسام حسن وتوأمه أبراهيم، عادت نسبة لا بأس لتشجيع السياسيين كتشجيعهم فرق كرة القدم، فمن الناس من يشجع الفائز دائما كالأهلي، ومن الناس من يقف وراء من تمنعه المؤامرات الكونية من الوصول كالزمالك، برعاية المجلس العسكري الذي استفتى شعبه الفيسبوكي حول المرشح الأوفر حظا للرئاسة.

ثم جلس ينتحب على الأموال المنهوبة التي لا يبدو انها ستعود، وحسين سالم الذي “سينفد بجلده”، وبطرس غالي الذي يتفسح في شوارع لدرجة، اثارت اعصاب البريطانيين أنفسهم، ابرد خلقه والذين لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الأموال أو هذا الثأر البايت بينه وبين عموم المصريين حتى من قبل سقوط النظام.

ليعود لمربع الخطر إذا استمر الحال على ما هو عليه، الانتظار إلى أن يظهر لها كبير أو صاحب، ليحل كل المشاكل، لكن الكبير لن يظهر، ولا داعي لأن يظهر، فقد قتلت الثورة آبانا الذي في القصر اذي يستطيع حل مشاكل جميع عباده.

ويحتاج هذا الشعب الذي حاول وارتبك أن يعاد له شحنة الإيجابية المرتبكة التي راودته بعد التنحي، فاراد ان يفعل كل شيء، لكنه لم يفلح في تحديد مسارها، لتكون مشاريعا متناهية الصغر ومتناهية البساطة ومتناهية البداهة، وفشل في توضيح هذا المسار الصفوة التي راحت تتعارك معارك سياسية في الأساس، دون الاهتمام بما يمكن تغييره في ضمير المواطن، ليحدث التغيير الأكبر.

فالمسألة ليس لها علاقة بالمشاركة السياسية بقدر علاقتها بالواجب الذي تراجع دوره في ضمير المصري سنوات وسنوات، فلم ينسحب المصري من المشاركة السياسية فقط، بل من النظام الاجتماعي ليصبح عشوائي، والنظام الإقتصادي ليصبح فوضوي، والتعليمي ليصبح بلا قيمة.

لقد شعر المواطن بضميره فجأة وبصدمة عنيفة عقب تنحي الراجل الكبير الكابس هو ونظامه على أنفاس أي مبادرة، وأي عمل، قاتلا روح الابداع، والرغبة في العمل، فشعر بأن بأمكانه أن يفعل شيئا آخر غير الحسرة، أنه يستطيع أن يقوم بواجباته على اختلاف مجالتها، لكن ارتباك اللحظة التاريخية، وغياب المرشد والموجه في ظل صراعات جاءت مبكرة عما هو متوقع، لتريح الضمير من وجعه وتزيل عنه الحرج.

 

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في العزلة رحلة ذهاب.. لا عودة

أدركت اليوم أنه لا رجوع لما نسميه “الحياة العادية، أظن أنني بشكل لاشعوري أعرف هذا …

اترك تعليقاً