الرئيسية / إبداع / البقاء في الأسر (قصة قصيرة)

البقاء في الأسر (قصة قصيرة)

“البقاء في الأسر” من أمسيتنا القصصية الثالثة

من أمسيتنا القصصية الثالثة
“البقاء في الأسر” قصة لـ Mostafa Ali Abo Moslim
من نتاج ورشة ونس الحكايات
بعدسة الفنان Amgad Zaref
#نثريات_هواة

Posted by ‎ونس الحكايات – ورشة كتابة إبداعية‎ on Wednesday, November 27, 2019

 

 

تُرِكَ في العراءِ، وقد كانَ منذُ لَحَظاتٍ رضيعًا،

يلتَقمُ صدرَ أمِّه فحسْب،

نظرَ في عَينَيه الوحشُ وقالَ: ليسَ عليّ إلا أنْ آكلَك.

قبلَ ساعاتٍ حملتْهُ الخادمةُ عن سيدتِها التي كانتْ تُقاوِّمُ النَّوم،

على وعدٍ بأن “تَتولَّى أمرَه” حتى تَستيقظ،

وفي طريقِها إلى مُركب سيَحملُها بَعيدًا تركتْ الصغيرَ في أرضِ الوُحوشِ،

إذ لم تَجرؤ على قَتلِه بنفسِها.

أجلَستْهُ على تَبةٍ، وكانتْ تُريدُ أن يكونَ ظاهرًا للوحوشِ ولو مِن على بُعد،

أعطتِ الصغيرَ لُعبتَهُ، كرةً من القُماشَ ذاتَ شَخاليل،

راحَ يتأملُها في حينِ ابتعدتِ الخَادمةُ، يَتضاءَلُ وجودُها في الأُفُق،

قبلَ غروبِ الشمسِ بلَحَظاتٍ كانتْ قد غَابتْ تَمامًا عن نَظرِه.

وقعتْ لُعبتُه على الأرضِ وتَدحرجتْ،

وصلتْ إلى كُرةٍ ضخمةٍ من الفِراءِ حيَّاها الصغيرُ بصَرخةٍ ضَاحكة،

ربما عَنتْ ارْمِهَا من أَجلِي.

صرخَ مرةً أخرى لكرةِ الفراءِ التي بَدتْ جامدةً وتَظهرُ عيناها المُضيئتينِ في العَتَمةِ التي راحتْ تَستولِي على الصحراء. 

لو كانَ يستطيعُ الصغيرُ أن يُعبرَ بالكَلماتِ لقَالَ: هذا ليسَ جيدًا.. أبدًا.

صمتُ أرضِ الوُحوشِ، التي لا تَطؤُها الأقدامُ لَيلًا،

تُشبهُ كثيرًا حَواديتِ أمِّه التي تَحكِيها بصَوتٍ مُخيف.

اقتربتْ أنفاسُ الوَحشِ الكريهةِ منَ الصغير،

أمُّه التي كانتْ تُناغِيه في المساءِ ليستْ هُنا لتُهدئَ مِن رَوعِه،

ارتسمَ كلُّ هذا على وَجهِه على نحوٍ يُنبئُ الوَحشَ بأسوأِ خواطرِه.. سَيبكِي الصَّغير.

“يا صَغيري لا تبكِ من أجلِ عمِّك الوَحشِ الذي لم يأكلْ أَطفالًا منذُ زَمنٍ، وهو عَجوزٌ وجائعٌ ولن يَتحملَ مشقةُ مُطارداتِ الأَهالي في مِثلِ هذا العُمْر”.

لكن الصغير الذي بدا له أنه لا يعرف الرحمة بدأ في البكاء.

ابتعدَ الوَحشُ عَن صَغيرِه

تلفتَ حولَهُ ليَرى ما إذا كانَ هُناكَ أحدًا قادمًا

بدأَ في حِسابِ خُطُواتِه التي صارتْ مُرتبكةً ومُضحكةً

هدأَ الصغيرُ قَليلًا مُتابعًا حَرَكاتِ وحشِه الخفيفةِ، وراحَ يَضحك..

“حسنًا.. حسنًا، الضَّحكُ كالبكاءِ يا صَغيري.. كِلاهما يُحدِثان صَوت،

لا يُهمُّني أن تَسخرَ من عمِّك الوَحش،

لو كانَ هذا تصرفُك في سنواتِ فُتُوَّتِي، 

لكنتُ مزقتُك الآنَ منَ الغَضب،

لكنِ الآنَ لا أريدُ سِوى وجبتي فلا تجلِبْ لي المشكلات”

فكِّر الوَحشُ لو أنَّ الصغيرَ يَنامُ، حَتمًا سينتهِي كلُّ شيءٍ بسرعةٍ وهدوء.

فكرةٌ رائعةٌ.. هتفَ الوحشُ لنفسِه،

ووعدَها بأن يُكافئَها على أفكارِها..

لكنْ ما المكافأة يا تُرى؟!

فلتكنْ عِظامُ الطفل.. فهِي لَينةٌ ولن يَتركَها كما يَتركَ عظامَ الكبارِ بعدَ أن يأكلَ لَحمُهم.

 

اقتربَ الوَحشُ بخُطُواتٍ مضحكةٍ مِن صغيرِه،

يُصدرُ أصواتًا شبيهةً بالتي يُصدرُها أقاربُه من الحيواناتِ الأليفة،

التي تثيرُ اشمئزازَه بالخضوعِ للكبارِ واللَّعِبِ معَ الأطفال..

لكنَّ موقفَه هُنا يَختلِفُ..

هذه حِيلةٌ ليسَ أكثر..

أليسَ كذلكَ يا عمُّ الوَحشُ الذي يَشقَى من أجلِ سدِّ رَمَقِه، بعكسِ حيواناتِ الحظيرةِ الكُسالَى.

ترقبَ الصغيرُ اقترابَ وَحْشِه صَامتًا،

هذهِ غايتُنا يا صَغيري”، وما إن شَعرَ الوَحشُ أنَّ ما يَفصِلُ بَينهما شِبرًا تأججَتْ غَريزتُه في الافتراسِ فقَفَز.. لكنَّه غالَبَ نفسَهُ فأَلقَى رأسَهُ في حِضنِ الصَّغيرِ،

مُحاوِّلًا بَعثَ الطُّمأنينةِ لكَي يَنام..

“وحِينَها!”

مالَ الصغيرُ بجِزعِهِ على رأسِ الوَحشِ ذي الفِراءِ النَّاعمة

شعرَ كِلاهُما بنَبَضاتِ قَلبَيهما،

عادَ للصغيرِ شُعورُه بالطُّمأنينة،

أمَّا الوَحشُ فكانَ مُرتَبِكًا وكفُّ الصغيرِ يُمسِّدُ فِراءَه،

كانتْ حركاتُ كَفِّه غيرُ مُنتظمةٍ لكنَّها راحتْ تتباطَأُ معَ الوَقت..

لقدْ اقتربَ النومُ.. وقد تَحينُ لَحظتُه أخيرًا.

في الصباحِ وجدَ الوَحشُ رقبتَه في طَوقٍ مُهينٍ بمَزرعةٍ مَا،

أُمُّ الصغيرِ تَحمِلُه سعيدةً وتَحكي لنِسوةِ المزرعةِ عن تلكَ المعجزةِ

التي مِن شأنِها أن تجعلَ صغيرَها نَبيًا،

عرَفَ أن حماقتَه قادتْه للاستئناسِ، ولا مَجالَ للهُروب.. 

نظرَ إلى كلبٍ وحِصانٍ في الحظيرة

ينظُرانِ بدورِهما نحوِ الوِحشِ الذي يُخططُ سيدُهم لاستئناسِهِ

بعدَما حمَى صغيرَه منَ افتراسِ بَقيةِ الوَحش.

“كم بقِيَ لكَ من العمرِ أيها العجوزُ الذي عجَزَ عنِ افتراسِ رَضيع؟! أليسَ من الأجدَى أن تنتظرَ طعامَك كلَّ يومٍ من سيدِك المُرتقَب؟! كم سيُكلِفُك هذا؟”

هبَّ الوحشُ وَاقفًا

صَرختِ النِّسوة

هُرِعَ سيدُ المزرعةِ إلى حظيرتِهِ وجدَ الوحشُ يَهُزُّ ذيلَه أمامَ صغيرِه الذي كانَ يَضحَك.

 

النص من أمسية ونس الحكايات 3

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

في ليلة من الليالي.. (قصة قصيرة)

وليست كأي ليلة..فقد طلبتُ مِراراً في أعوام مضت، لطالما كنت أطلب وأطلب ولا أعبأ بالإجابة.. …