لا توجد صورة متاحة للشخص

سيد مرسي .. المجد للسلطان أبو العلا (بروفايل)

لا توجد صورة متاحة للشخص
لا توجد صورة متاحة للشخص
الكتابة بالنسبة لي صنعة، لها أصول وقواعد وهي بهذا الشكل تحررت من فكرة الوحي والإلهام وغيرها من الصور التي عشنا تحت أسرها كثيرا، والكـُـتاب درجات؛ منهم الصبي الذي يتلمس خطواته في الصنعة ويتعلم أصولها، والصنايعي الذي تعلم أصول الصنعة ويأكل من ورائها عيش لكنه ليس مبدعا، والأسطى الذي يملك أسرار الصنعة ويبدع فيها ولديه القدرة على تعليم الآخرين مفرداتها، وأخيرا المعلم .. شيخ الطريقة وصاحب المقام وأستاذ الأجيال.
الصنايعية هم أغلب أهل المهنة والأسطوات قليلون. أما شيوخ الطريقة وأصحاب المنهج فقد تكون محظوظا إذا التقيت بأحدهم في حياتك كلها مرة واحدة، وهؤلاء لن تجدهم في المكاتب المكيفة ولا في مناصب قيادية، بل ستجدهم في المكاتب المتواضعة حيث يتعمد رؤساء التحرير وضع مكاتبهم قرب دورات المياه أو المخازن !
هذه الخاطرة جاءت لي بينما كنت أستمع لأغنية قديمة لنجاة اسمها “سلم عليا” وهي لشاعر من شيوخ الطريقة اسمه سيد مرسي، حيث سألت نفسي من أي مكان في الأرض جلب هذا الشاعر هذه الجملة “كل الكلام اللي بحبه قالهولي وأنا قاعدة جنبه … ريحني الله يريح قلبه دا حبيبي” … أعتقد أنها أجمل مدح لفلاحة مصرية لحبيبها.
بالمناسبة … هل تعرف سيد مرسي؟
بالتأكيد لا، وصدقني أنا أيضا لم أكن أعرفه حتى وقت قريب بعد أن تحولت محطات الأغاني إلى “play list ” لا نعرف فيها مَن هو المؤلف أو الملحن لأغنية، وفي حالة الأغاني الجديدة قد لا نعرف أصلا مَن هو المطرب.
سيد مرسي هو أحد الشعراء “الجامدين” جدا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يعرفه عُشاق وردة جيدا فهو صاحب الثلاثية المقدسة … “اسمعوني .. وحشتوني .. اشتروني”، ومؤلف نصف أغانيها، وإذا كنت قد شاهدت فيلم “احنا بتوع الأتوبيس” الذي يفضح ممارسات التعذيب في حقبة الستينيات واستمعت إلى القصيدة التي كان يغنيها يونس شلبي في الفيلم وكانت سببا في القبض عليه وعنوانها “ليا مين غيرك يا بلدي” فهي إحدى إبداعات هذا العبقري. هو أيضا مؤلف أغاني “والنبي وحشتنا”، و”ليلة سهر” لشادية، و”خليكو شاهدين” لفايزة أحمد، و”أنا أعمل إيه” لميادة الحناوي، و”ع الحلوة والمرة” لعبد الغني السيد، “وكله ماشي” لمحرم فؤاد.
سيد مرسي شاعر حقيقي، من العيار الثقيل، كان لقاؤه ببليغ حمدي تاريخيا حيث لم ينفصلا فنيا حتى مات مرسي، لم يلحن أشعار مرسي إلا بليغ؛ ربما لأنها كانت أغاني مليئة بالشجن والحزن الطبيعي الموجود في كل كلمات أغانيه، حتى عندما قرر أن يكتب أغنية وحشتوني التي من المفترض أن تعبر عن حدث سعيد في الفيلم، كانت أغنية مليئة بالشجن والمشاعر إلى درجة أن أمي رحمها الله كانت تبكي في كل مرة تسمعها وهي التي لم تسافر ولم تتغرب يوما عن أهلها أو مدينتها، وعندما كنت أسالها بفضول كانت تقول إن هذه الأغنية تستدعي عليك ذكريات الأحبة الذين فقدتهم ولن يعودوا أبدا، وعندما تتمعن في كلماتها ولحنها تدرك أن هذا الشاعر الكبير جعل في هذه الأغنية عذابا لكل غريب عن أهله .. طالب يدرس في مدينة أخرى، عامل في بلاد الله خلق الله، زوجة حديثة لا زالت رائحة منزل الأسرة لم تفارق ملابسها، أنا شخصيا أصاب بحالة بكاء لا إرادي عندما أسمعها فأتذكر كل من وحشوني فعلا … أمي وأبي والحبيبة التي تركتها وبلدي التي ضاعت.
ليس لدي الكثير لأحكيه عن حياة هذا الشاعر إلا أنه وُلد في حي بولاق أبو العلا وتوفي عام 1995 (أي حد بعد كده يقول لك إن المناطق دي بتطلع بلطجية بس يبقى ما بيفهمش).
إذن سيد مرسي أسطى من أسطوات الأحزان في الشعر الغنائي المصري – وقت أن كان هناك شعر ووقت أن كان هناك غناء – يستطيع بكلماته أن يجبرك على الحزن واستدعاء كل ذكرياتك المؤلمة، تخيل مثلا أنه في أغنية اسمعوني قرر أن يبدأ أغنيته بنداء عام يلفت به نظر الجميع “يا أهل الهوا … قبل ما تلموني اسمعوني”.
ثم يحكي لك حكايته مع حبيبه الذي عاشا فيها معا أحلى ليالي، ثم قرر حبيبه وبدون مقدمات أن يهجره ويتركه يتحسر على هذه الأيام، تخيل أنه يقول في مقطع “آه لو الأيام بتتكلم كانت قالت عملنا إيه وكان الحب قد إيه .. وراح ازاي وكنا ازاي ودلوقتي بقينا إيه” .. 19 كلمة بالتمام والكمال وصف فيها قصة حب كاملة بدايتها وتوهجها ونهايتها، ثم يستدعي عليك الحزن في أغنية اشتروني .. عندما يقول “واسألونى وديتي فين الابتسامة … قبل ما أنسى وأفتكر وتفكروني” صورة مركبة لن تستطيع استيعابها من أول مرة عندما تسمعها.
لكنه أيضا أسطى من أسطوات الحب ووصفه .. انظر معي إلى أغنية “أنا أعمل إيه لما تنده لي عينيه” لميادة الحناوي، “وأما كل الدنيا تسكت إلا صوته .. أسمعه بقلبي.. أسمعه وحدي لما يهمس اسمي” .. وفي مقطع آخر “وهو مين صادفه الهوى فى دنيته ما غرقش فيه/ ولا مين جرحه الهوى وحلف يتوب ما رجعش ليه” ..
وفي مقطع آخر ” مساكين يا اللي ما شفتوا ولا عرفتوا مرة واحدة طعم الهوى .. مساكين ياريت عشقتوا ياريتكو عشتوا ده عمركم ضاع ف الهوا”.
لكنه لا ينسى أنه مليء بالشجن فيقرر أن “ينكد” على المستمعين فيقول في مقطع يبدو فيه أنه يتحدث عن نفسه “نفسي أغني للفرح مرة/ نفسي ييجي هنايا بكره/ اسمي عشت مهما حزنت”.
لهذا الرجل أيضا مؤلفات رائعة في حب الوطن ليس آخرها “ليا مين غيرك يا بلدي” بل إنه أول من وضع حجر الأساس للأغاني التي لها مستويان من المعنى .. المستوى الأول الحب بين رجل وامرأة .. بينما المستوى الثاني الذي لا يفهمه إلا قليل من المستمعين هو حب الوطن، والنموذج الحي على ذلك أغنية “سلم عليّ” لنجاة .. فهي تحكي قصة عائد من الغربة يحكي لحبيبته أنه لم يحتمل الغربة بدونها وأن الحياة هناك صعبة، لكنه كتب أغنيته على فلكلور شعبي مصري مليء بالشجن والغربة، ثم فــَـهم بليغ حمدي بسرعة فكرة صديقه ورفيق عمره فقرر أن يلحن الأغنية بالطريقة الأوبرالية التي تتدافع فيها أصوات الكورس عبر مستويات بداية مختلفة، وهي نفس طريقة الغناء في الأناشيد والأغاني الوطنية، وهي فكرة عبقرية من مؤلف وملحن أدركا مبكرا جدا أن هناك مَن سيظهر بعدهما ويغني للوطن “تسلم الأيادي”.
أخيرا يمكن أن أكتب عن هذا الرجل حتى تتورم يداي، لكني سأكتفي بهذا القدر الذي لا يوفيه حقه، وأختم أنه عاش طوال حياته في بولاق ولم يتركها حتى بعد زلزال 1992 الذي سقط فيه نصف منزله وهو كان وقتها يبلغ من العمر 95 عاما.

عن ناجي حسين

ناجي حسين
صحفي وروائي

اترك تعليقاً