“جئت اليكِ” #قصة_قصيرة من مجموعة “بطلة قصتي”

غلاف بطلة قصتي

-اعلم انه ليس مرحب بي هنا. فقد رفضتي عندما طلبت اذنك للمجيء…
-رفضت لأجل خاطرك…فمجيئك لن يفيد بشيء…..
-نفس الكلام تكررينه كل مرة..و لكني لا استطيع منع نفسي من المجيء لرؤيتك..لم اقدر على التحمل اكثر. فشوقي اليكِ…
-و هل خف شوقك عندما جئت؟ لا….و هل ستذهب بعد لقائنا احسن حالا؟ لا…اكرر نفس الكلام الذي مللته انت كل مره علك تفهم..علك تقتنع..و لكنك كعهدي بك يا حبيبي عنيدٌ تسمع فقط ما يمليه عليك قلبك..ظننتُ ان مرور السنوات واللون الابيض الذي انار رأسك قد يستطيعوا ترويض عنفوان مشاعرك ولو قليلاً.. لتمضي بحياتك وتسعد بها بدو…
-بدونك؟! اهذا ما تريدين قوله؟ تريدينني ان احيا سعيدا..بدونك..ان امحي اثارك المتشبثة بكل ذرة في كياني كطفلٍ لحوح….كم انت انانية يا حبيبتي الغالية..لم تكتفي بأن تتركيني وحيداً و ترحلي، تطمعين  ايضاً في ان انسى…
-كيف تجرؤ على اتهامي بالانانية؟ كلانا يعلم ان الرحيل لم يكن باختياري..لو كان الامر بيدي، لتركت العالم و بقيت بجانبك..تعلم انني لم اعشق في عمري احد سواك..و لكنه القدر،قدرنا ابى ان نبقى سوياً وكان من العبث ان نحاول مقاومة القدر..لم يكن بيدينا شيء سوى ان نفترق ويذهب كلٍ في طريقه…
-اعلم ان تركي لم يكن بإرادتك؛ فرضيت به وقتها..ولكنك استغليت حبي لك و ضعفي تجاهك ولم تكتفي برضاي فقط، بل ظللت تطالبينني بالمزيد..بدأتِ بأن اجبرتيني على الزواج من غيرك بعد ان كنت اقسمت على الا افعل ذلك..
-رجوتك ان تتزوج لتحقق ما كنا نحلم به معاً. اردت ان يكون لديك المنزل و الأسرة…ان تنجب اطفالاً و تغمرهم بالحب الذي يملأ قلبك..اتذكر؟ طبيباً و معلمة..كما تمنينا سوياً…..
-توقفي عن قول ذلك..تمنيت ابنائاً ليكونوا رابطاً جديداً يقربنا اكثر..حلمت بأسرة ومنزل ليجمعاني بكِ انت وليس اي امرأة اخرى…فقد كانت جميع احلامي بك و لك..بدونك كانت مجرد كوابيساً مقنّعة…كان يجب الا اطيعك منذ البداية..فعندما ذهبتي كان رغماً عن ارادتك و لكني اردت اللحاق بك وكنت سأفعل لولا اعتراضك..اتذكرين، يوم وداعنا عندما ارغمتيني على ان اعدك بألا الاحقك؟..و من وقتها و كل مرة نلتقي فيها بعد فراق طويل تطالبينني بالمزيد….
-لحاقك بي لم يكن سيأتي من ورائه اي خير؛ فلم يكن هناك ما يضمن اننا سنكون معاً ان فعلت بل وكنت ستغضب كل من حولك و تزيد سخطهم على علاقتنا اكثر…..اما عن زواجك، فلا تنكر ان زوجتك سيدة جميلة شكلاً و خلقاً..انت نفسك من شهد لي بذلك مراراً كلما تلاقينا….
-ليتها لم تكن كذلك؛ كلما زادت طيبتها معي يزيد احساسي بالذنب..فطوال اربعة وثلاثون عاما مروا على زواجنا و انا احاول جاهداً ان ابادلها حبها و لكني لا اقدر..كثيراً ما كانت تجدني سارح البال مبتسم الشفاه فتفرح ظناً منها ان الابتسامة لها، غير مدركة ان اغلب الاوقات التي كنت ابتسم فيها كان السبب يرجع لكلمة او موقف يضيئوا نور ذكراكِ داخلي..لم اكن انساك ابداً، ولكن كانت تمر اوقات اشعر فيها بأن انشغال العمل او مسؤلية البيت قد وضعوا غطاء ثقيلاً فوق مشاعري تجاهك يُبهت بريقها قليلاً فأظن واهما اني قد نسيت. ولا يمر الكثير من الوقت حتى اسمع احداً ينادى بأسمك او ارى عيوناً تشبه عيناك، فيكون هذا كفيلاً بأن يكوّن شرارة تؤجج نيران هواي اكثر و اكثر…افعل لزوجتي المسكينة كل ما تطلب…اعطيها كل ما تريد..الا قلبي..حاولت ان احبكما معاً فلم استطع….و كأن الذنب الذي يتأكلني لم يكن كافياً، فجئتِ انت يا معذبتيَّ الرحيمة –بعد فترة من زواجي- لتطلبي مني ان اتوقف عن رؤيتك تماماً..صرت تبخلين علي حتى بهذا اللقاء السري كل بضعة شهور او اعوام…دقائق اللقاء التي كانت تمدني بالطاقة لأستمر بالتمثيل على الجميع بأني اعيش بدونك…تمدني بالحياة كلما شعرت ان جسدي قد اصبح هيكلا خاويا يتنفس بحركة الية بدون الشعور بشي….
-طلبت عدم اللقاء عندما شعرت بمعاناتك من الذنب تجاه زوجتك..كنت اخشى ان يأتي اليوم الذي تراك فيه معي فتعلم بأمرنا وينهدم بيتك بسببي..كما املت انه ان امتنعنا عن اللقاء، فستسطيع نسياني و حبها و عندها تتخلص من عذاب ضميرك..لا تخدع نفسك، لم تكن ستستطيع حب كلانا في نفس الوقت..كان يجب ان تقدر على التخلص من لعنة حبي اولاً ليرحب قلبك بحبها..كنت اعطيك الفرصة لتستطيع نسياني….
-استطيع نسيانك؟! تتكلمين و كأنني كنت احاول فعل ذلك..نسيانك لم يكن شيئاً اسعى له، بل كان اكثر شيئاً اخشاه في حياتي..لعنة حبك التي تريدين ان اتخلص منها هي اكبر نعمة منَّ الله علي بها…و احساس الذنب تجاه زوجتي كاد ان يتحول كره عندما شعرت انك ترفضين لقائي من اجلها…
-..يجب ان تذهب الان فالوقت مر سريعاً و لم نشعر…
-سأذهب..ولكن هذا لن يكون اخر لقاء يجمعنا…
-انت و عنادك..اعلم انك ستأتي مجدداً حتى و ان رفضت انا…الوداع يا حب العمر..
-الى ان نلتقي…
……………………………….
مر اللقاء دون ان يعي ان هناك شخص ثالث يراقب حديثه الصامت معها.
فقد كان عم حسن حارس المدفن يراقب الرجل المسن و هو يقف امام قبر محبوبته يناجيها بعينيه دون ان ينبس بكلمة ويهز رأسه كأنه يسمع ردها على خواطره التي تجيش بكيانه. تماماً كما كان يفعل كل مرة؛ فطوال ستة و ثلاثون عاما مروا على وفاتها كان يرسل وروداً كل اسبوع و يأتي بلا مواعيد. قد يطول غيابه اعواماً و لكنه دائماً ما يأتي. يمضي ساعات امام القبر ثم يعطيه مالاً و يوصيه ان يهتم بها و يرحل.
كانت زوجة عم حسن تفرح كثيراً لرؤية هذا الرجل. فهي تراه رمزاً للوفاء. وكل مرة يرحل فيها تؤكد لزوجها انه سيعود. مهما طال الزمن..سيجيء اليها ثانية.

عن سكينة مجاهد

سكينة مجاهد
كاتبة

شاهد أيضاً

تحميل “البقاء في الأسر” مجموعة قصصية لمصطفى علي أبو مسلم

تُرك في العراء، وقد كان منذ لحظات رضيعًا لا يزال يلتقم صدر أمه. نظر الوحش …

اترك تعليقاً