الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثانية)

أشتهر بين أصدقائي بـ ” الدينامو”، ردود أفعالي سريعة، وفي أغلب الأوقات عقلي يسبق الأحداث، وكائنات مثله رغم ثبوتهم وعدم تطورهم إلا أنهم ملتزمون بقواعد دفاعية وهجومية بُرمجوا عليها ببراعة، وقواعدهم هذه مجهولة لنا.

ضحاياه اشتهروا بسرعتهم وبطولتهم في مجالات مختلفة، بعضها ذهنية وأخرى عضلية، ومع ذلك نالوا لقب ضحايا، لا أعرف إن كان انقطاع التيار – الغريب والجديد في عالمنا المعاصر – عن بيوتهم في لحظات ظهوره لهم هو سبب تغلبه عليهم، أم أن قواعده المجهولة والتي لم ينج أحد منها ليرويها هي كانت سر الغلبة.

ربما لن تنفعني سرعتي اليوم.

شيء آخر تماما، إن كان ظني في محله، جعل خطره أضعف من كل مرة: المفاجأة .. له

على عكس كل مرة رأى ولأول مرة في حياته ضحيته المدهشة، ذلك الكائن الغريب الذي لا يعلم قوته في النور، اندهش ثم تأمل ثم فكر وهذا ما لم يتعود عليه في كوكبه، ارتبك قليلا فمنحني مساحة للتصرف، قبل أن يعود لقواعده متأخرا.

اختفيت من أمامه بسرعة، ما نـُشر عنه لم يدفعني إلى كابل الكهرباء الرئيسي لأقطعه، هو يرى في الظلام، أما أنا فلا، يكفي أن أختفى في أي مكان وأراقبه لتكون المعركة متكافئة، لا معنى أن أحتمى بشيء لا أراه، في مقابل أن يستخدم خصمي حمايتي سلاح له.

وقت اختفائي عاد بميكانيكية لوضعه الطبيعي، وتجول بشكل منظم في بيتي، وكأنها رحلة سياحية أو جولة استكشافية في بيتي، لدرجة أني شعرت أنه نساني ونسى مهمته، اندهشت من عدم اقترابه من كابل الكهرباء الرئيسي ليقطعه، ليحول الأمر لصالحه، كل البيوت التي حدثت فيها معاركه وجدت مقطوعة الكابلات.

لهذا لم أترك حماية الكابل للصدفة، كنت أقف بجواره لأهجم على الكائن عندما يحاول قطعه، لكنه لم يأت، قلقت هل كشفني! توقع تصرفي! أصعب ما مررت به هو اتخاذ موقف بعد شكي في مدى أمان موقعي، وعدم قدرتي على فهم خصمي، ارتبكت عندما فكرت في أنه يريد إرباكي بعدم الاقتراب من الكابل، فأنا لا أستطيع التحرك، ولا يمكنني الوقوف إلى الأبد في نفس المكان.

أربكني أكثر ارتباكي ذات نفسه، هذا يعني أنى أشك في المعلومات التي حصلت عليها من نشرات الأخبار، وهي أنه كائن غير مفكر، نمطي، لا يخرج عن خطته التقليدية. أو أن نمطيته متطورة، لدرجة تجعل كل تصرفٍ آدمي في صالحه، وبهذه الطريقة يفوز بلا خسارة ألف مرة.

شيء آخر يدهشني، لماذا يتحرك وكأنه في بيته؟ ويتصرف كأنه آدمي، يجلس على الكرسي ثم يقف، ينام على سريري ثم ينهض يفتح الثلاجة ويغلقها، و يمر على الجدران بعينيه كأنه يخزنها داخلهما.

أنا الآن أرى كائنا مختلفا عن الذي وقفت أمامه بهدوء عالم، هل خدعتني الأخبار؟ أم أنارني الاقتراب منه؟!

(4)

خروجي للشوارع طلبا للنجدة ألقى بقلبي في قبضة الشعور بالجبن، وأطلق صيحات عقلي المجنون الذي طلب البقاء لمراقبة الكائن، ومعرفة الحقيقة منه بأي شكل من الأشكال ، وعلى كل حال الناس في بيوتها منذ إطلاق نفير الخطر، والنجدة بعيدة عن يدهم طالما جهاز الأمن نفسه لا يمتلكها.

منذ شهور والبيوت مكتظة بسكانها والتليفزيون يمتلك الجميع، بيانات الشرطة والجيش ومؤسسة الرئاسة والمنظمات الدولية، هي أهم ما تابعته شعوب الأرض خلال الـ 6 أشهر الماضية، الكلام عن الاختراق الفضائي، والخطر الذي يهدد كوكبنا، هو المادة التي تسيطر على العقول.

الحوادث المتكررة، الغريبة، ضحايا الكائن، قلبت حال الكوكب المتأجج منذ قرون بحروب وصراعات ومواقف وتطورات وتباينات، وغيره، جعلته ساكنا. يقترب قليلا من الوحدة والتوحد، بين الشعوب والمؤسسات، أرجأت خلافاته لحين زوال الخطر الأكبر، أعطت التاريخ هدنة ليكتب شيئا مختلفا غير الصراع بين بني آدم.

اختفت أخبار الجرائم قليلا، أو اختبأت خلف أخبار الكائن، القضايا التاريخية، المهمة، العالقة، وجدت طريقا للحل عن طريق تقديم تنازلات من أطراف معينة، وكأن هبوط الكائن خير عم على البشرية كلها، فلا ينقصها إلا نوع الأمان الذي سلبه إياها، والتأجج والروح الصاخبة التي راحت من نمط حياة الكائنات الأرضية المجنونة والمدهشة، صانعة حضارات مهددة بمحوها.

لا شيء في الشوارع يهمني، خروجي من بيتي كان خطيئة في حق فضولي، في حق عقلي الذي بحث عن الكائن بعيونه في الشوارع أياما، وتابع بآذانه كل نشرات الأخبار شهورا، والتهم كل يوم كل ما كتب عن الضيف العدو.

لم أفهم كل شيء، علامات الاستفهام تكاثرت، لكني أصررت على المتابعة والبحث، اهتممت بالكائن أكثر من أي شخص أو جهة، وكأن الكائن يعنيني وحدي، هبوطه كان من أجلي. وها أنا الآن أهرب، لم؟! لا سبب بالطبع.

بيتي غير بعيد، وطريقي أعرفه، لن أختار طريق العودة لأنه هو الطريق الوحيد الذي أمامي لأسلكه مهما تعددت الطرق، فهي ليست طرقي، ولا طرق الحقيقة.

(يُتبع)

فبراير 2009

الحلقات السابقة

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الأولى)

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثالثة)

لتحميل المجموعة القصصية

صدر للكاتب:

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

خيال مريض (قصة قصيرة)

يدفعه أخوه من أعلى برج القاهرة، تلتقطه أمه برفق ثم تسأله: «اسم حضرتك إيه يا …