الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الأولى)

(1)

وقف أحدهم على الباب، نظر لي، اندهش، لم يرى كائنا بشريا من قبل، لم يخرج من كوكبه أبدا، لم يظن أن هناك نوعا آخر من المخلوقات، أنا أفهم اندهاشه، وأفهمه هو شخصيا، أما هو فهذه أول صدمة يتعرض لها.

الأمر لا يحتاج إلى أن أكون رائد فضاء، كل ما أفادني هو العلم، فقط العلم، بل معلومة واحدة فقط “هناك في مكان ما، قد أعرفه – قد أجهله، كائنات أخرى، ربما تكون (عاقلة – أو غير). لهذا أنا الذي لم يندهش وهو غريب، وهو الذي ارتبك وأنا لم أمثل له تهديدا.

اتخذ موقفا دفاعيا ثم هجوميا، لم يفاجئني تصرفه، أعرف أسبابه،

تصوروا: أنا لست مطابقا للمواصفات.

هذا هو سببه الذي سينسف نوعا كاملا لأجله، أنا وأنت من هذا النوع.

في كوكبه كل الكائنات تشبه بعضها، يخرجون من مضخات سائلين، ويمضون فترة في قوالب متشابهة، يتحولون إلى صلب لا ينصهر ولا يعاد تشكيله.

أعينهم بلا قيمة على كوكبهم صاحب الشكل الواحد، الكرسي يشبه السرير يشبه المكتب يشبه السيارة يشبه الكائن الحي يشبه قائدهم يشبه الكوكب ذاته، فالقالب احتوى الكوكب بما عليه.

الآن هو مصاب بالجنون، حدث ما أوقعه على أرض المتناقضات، كوكب المعجزات كما أسميه، وليس السبب في جنونه هو سقوطه على رأسه مثلا إن كان له رأس من الأساس، السبب هو نضاله المستمر والعنيف من أجل قولبة عالمي أنا، ليصبح عالمه هو، الذي تعود عليه.

هل نجح؟ هل هو في طريقه للنجاح؟ هل يمكن أن ينجح؟ هل سيقتلني الآن !…

أنا أفهمه لكني لا أعلم الغيب، ولا أعلم إن كنت سأستطيع مقاومته، أم سيكون مصيري كألف غيري نشرت صورهم في نشرات الأخبار منذ أن وصل الأرض ضيفنا اللدود.

(2)

ضغطي على كل أزرار بيتي لم يفد، بحثي عن شمعة وأعواد الكبريت أسقطني في الصالة والطرقة والمطبخ مرات ومرات.

أول مرة أشعر أن شقتي واسعة، والزمن بطيء، ومحاولاتي في الإسراع لا جدوى منها.

كرهت إهمالي لأمور وثقت في عدم أهميتها، فوضعتها في رفوف بعيدة من حياتي، وفضلت عليها الأكواب والأطباق والملاعق وعلب السكر والشاي وعبوات الملح والفلفل الأسود والبهارات.

لم أغفر لنفسي ذكرى قديمة اعتبرتها الآن مهمة وأليمة وأنا أبحث:

” لا مكان للشمع… أرمه في أي مكان بعيد، هههههه، ما حاجة الإنسان للشمع إلا في العشاء الرومانسي !”

40 عاما هي حياتي لم ينقطع فيها التيار مرة واحدة في العالم كله، لا يوجد جزء من كوكبنا الآن إلا وعنده مصادر عديدة للطاقة المتجددة – كلام منطقي حتى الأمس، أما الآن … الآن!

ااااااااااه

لقد انتهى كل شيء الآن

ومع ذلك أبحث عن ضوء لأرى بنفسي وأتأكد من أن كل شيء انتهي.

“كم هي غريبة طباع البشر!”

كما قال لي

أصدقه، هي غريبة حقا حتى على البشر أنفسهم.

أين الضوء؟! لماذا فرطت في الضوء؟ ولم أبحث عنه الآن؟

” هل تمانع أن أطفئ النور؟ ”

كنت أفضل ألا أرى شيئا غير الحقيقة فوافقت على طلبه.

ما الذي تغير؟

هل تريد أن تعرف الحقيقة؟

في الظلام!

لا مكان لها مع نوركم المزيف

أظلمها كلها

ها قد عرفت الحقيقة: الضوء .. إنه الضوء!

ها هو الشمع … وجدته فعاد لي الضوء ففهمت.

ها هو الضوء أخيرا، ها هي نقطة ضعفه وفرصتي في الفوز التي فرطت فيها.

(يُتبع)

فبراير 2009

حلقات أخرى:

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثانية)

الكذبة المثالية (قصة – الحلقة الثالثة)

لتحميل المجموعة القصصية

صدر أيضًا للكاتب:

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

خيال مريض (قصة قصيرة)

يدفعه أخوه من أعلى برج القاهرة، تلتقطه أمه برفق ثم تسأله: «اسم حضرتك إيه يا …