الحب يقطن علبة الدبابيس

تستفزها هذه المنشورات على الفيسبوك، “الحب ممكن يكون حلة محشي”، “العشق ممكن يكون صينية بسبوسة”.

“ده تسطيح للحب، الحب معروف، واضح، الحب كوز درة على الكورنيش، حلبسة، بطاطا، ترمس، ولد وبنت”.

يصعب تخيل أن يمر أسبوع دون أن تفتح زميلتي في العمل هذا الحوار، ربما يفرض علينا العمل في واحدة من قنوات الطبخ التفكير في الحب بهذا الشكل.

الصورة النمطية التى تربط الحب بالطعام حيث “أقصر طريق لقلب الرجل معدته”.

أكيد أحب الطعام وألوانه وأشكاله ورائحته، أعمل مصورًا للطعام عملي هو أن أجعلك تجوع من المشاهدة، تشم، تستثار، تعشق، تبكي من صور تقطيع البصل.

تحطمت على صخرة صوري عقيدة بعض النباتيين وعادوا لتناول الحواوشي، وصلتنا رسائل بتحول البعض للنظام النباتي بعد مشاهدتهم لصور وفيديوهات السلطة التي قمت بتصويرها للعرض في الأسبوع العالمي للطعام النباتي.

ولكن أقصر طريق للقلب هو الأذن توجد كلمات سر لكل إنسان إن سمعها وقع في الحب حتى لو قيلت هذه الكلمات من شخص لا يعرف الفرق بين البقدونس والكزبرة والملوخية.

لكن أعترف أول حب في حياتي كان مبكرًا جدًا وكان في صورة علبة شوكولاته جلبتها لي جارتنا، الجدة العجوز التي رحل كل أبنائها وأحفادها خارج البلاد.

كانت لحظة حب متكاملة الأركان وقعت في غرام ابتسامة الجدة، أحببت ملمس المعدن والرائحة التي تنطلق مع فتح العلبة والرسومات التي عليها لشارع أسطوري به ولد وبنت في عربة يجرها حصان. تأملت هذا الشارع تخيلت إن هذا المذاق يأخذني إليه، الغريب أن هذه اللحظة قادتني بعد أسبوع واحد لسؤال أعمق عن الحب. لقد كنت أتردد بمعدل مرة كل ساعة على هذه العلبة السحرية أفتحها أدخل عالمها أبدء بتناول أكثر نوع أحبه وكان ينتهي سريعا لتبقى الأنواع التي أحبها بشكل أقل، لقد كنت أهيم شوقا بالكراميل الملفوف في الورقة الذهبية وهو ما كان أول ما تفرغ منه العلبة.

لم أغير رأيي في حبي الأول بالكراميل عندما قال لي زميلي الإنجليزي بالعمل بشيء من التعالي “الكراميل مجرد لبن وسكر ليست شوكولاتة يا أستاذ، الكنز الحقيقي في الشوكولاته حروب تقام، يستعبد الأطفال في إفريقيا من أجل الكاكاو وأنت تفضل الكراميل اللبن والسكر في كل مكان”.

لم أرد سوى بأبتسامة خفيفة، لكني كنت أريد أن أقول له “من يحملون لفمك الشوكولاته لا يجدون اللبن ولا السكر ومن أبسط حقوقهم أن يحلموا بالكراميل”.

بعد 50 رحلة للعلبة كانت تبقى في النهاية الشوكولاته بالبرتقال لم أستسغ طعمها لكني كنت أشعر بها تقول لي أنت لا تحبني لكني أبقى لك في النهاية أنا المذاق الأخير في فمك، لا أنت تحبني فأنت تأكلني تحبني على مضض ولكن أنا من يبقى انا العلاقة الأطول، لا تحب بعمق حتى يبقى ما تحب لمدة أطول في علبة الشوكولاته.

في النهاية التهم أخر قطعة شوكولاته بالبرتقال وبعدها أخذت أمي العلبة المعدنية ووضعت بها دبابيس خياطة.

عن أحمد حامد

أحمد حامد
مصور صحفي، وصانع أفلام

شاهد أيضاً

مقطوعة رقم ٢ فالس لهاوزر

كنت أظن أن الصباح مرض مزمن قد أصاب الكون، وأن الظلام الدامس هو اللون المنطقي، …