الرفض وهمًا.. “ديكور” فيلم عن ألم الاختيار وسرابه

الفيلم الذي كافح إبراهيم البطوط من أجل استكماله بأي ثمن صنعت عالمه مها، مهندسة الديكور، في خيالها، غير أن البطوط، مخرج الفيلم، أحد أبطاله، شخصية حقيقية في سياق تخيلي، بات جزءًا من عالمها، فيلمها، الذي يعبر فيه أبطاله من جانب إلى آخر دون أن تتبين أين الفيلم: فيلم البطوط، فيلم مها، فيلم أحمد عبد الله السيد؟

يدفع البطوط، وكذلك شريف، أثمانًا باهظة من أجل الاستمرار في عالمهم، مصطفى أيضًا، في عالمه الزوجي، يقبل بحضور جسد مها، ويدفع من كرامته ثمنًا لبقائها، أو ربما لبقاءه في عالم حلم به ولم ياحقق في الجانب الآخر، إذ لم يتزوج مها، ولم يتزوج أبدًا، رفض التنازل من أجل القبول.. لكن لو كان هناك بطولة في الرفض فهي من نصيب مها وحدها.

عندما يشكك أحد في القدرات التمثيلية لحورية فرغلي أشير لفيلم ديكور، لا أظن أنها شاركت في عمل أفضل منه في مسيرتها الفنية التجارية، لكنه يكشف تفصيلة واحدة شديدة الأهمية في التمثيل، وغالبًا ما تكون مهملة في الأفلام التجارية، وهو استخدام صوت الممثل، وأيًا كانت قدرات المخرج لن يستطيع توجيه ممثلًا لا يمتلك المقومات اللازمة.

منذ الدقيقة الأولى يخبرك الفيلم بأن الجميع مجبرون على شيء ما، في الحركة والحوار وغيرها من العناصر، بينما الصوت الهامس لمها، مهندسة الديكور زوجة وشريكة شريف، الذي يكشف ضغطًا شديدًا تعانيه، وبالخيال تصارعه.

تنحبس مها في ديكور فيلم تكرهه، ليعرض لها عقلها الجانب الآخر من اختيارات لم تكن من نصيبها، حيث أمها لم تمت، وزوجها مصطفى الذي قبل بالخلفة، وشعورًا عميقًا بعدم الرضا، الاكتئاب، العدمية، والهلاوس البصرية إذ تتخيل نفسها مهندسة ديكور ناجحة تزوجت حبيبها الشاب دائمًا.

رويدًا رويدًا نكتشف أن عالمها الأخر، خيالها، حيث كانت متحققة مهنيًا تفتقد أشياء أخرى مثل الإنجاب، وتلجأ لهلاوس تقاوم بها رفض شريف الإنجاب وغياب أمها.

إن الضغوط بادية في كل جانب، الحياة العملية لمهندسة الديكور تثقلها وترهقها، أما مدرسة الرسم، مها أيضًا، فالظروف الاقتصادية الصعبة التي تضغط على مصطفى وبالتالي تجبرها على بيع أتيليه أبيها لمساعدته، غير أن الضغوط “الناعمة” تطل بذكاء في علاقة الزوج (شريف أو مصطفى) بزوجته وكيف يمكن أن يوجه هذا الحب اللطيف إلى فرض أوضاعًا أكثر ضغطًا على مها.

تظهر فاتن حمامة، بشخصياتها المحبوسة في أفلام نهر الحب، الليلة الأخيرة، وأيامنا الحلوة، كقصة إطار، كمرجع، أو دليلًا استرشاديًا لما تشعر به مها، وكلعبة لطيفة من صناع الفيلم الذين ينقلون المشاهد أحيانًا من القصة التي يشاهدونها، لحقيقة أنها قصة يشاهدونها، أما الحقيقة، حيث لا اختيار أيضًا، فهي بالألوان الطبيعية، يمكنك أن تراها في ازدحام مروري أو حادث صفير.

عن مصطفى علي أبو مسلم

محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.