الرئيسية / المدرسة / “لا تقربوا الصلاة”.. قراءة في واقع إعلامنا العربي

“لا تقربوا الصلاة”.. قراءة في واقع إعلامنا العربي

محمد خالد فيسبوك

حقيقة أننا نتعامل مع جمهور توّاق لمعرفة المزيد، ليست بحاجة لإثباتها، فالقارئ العربي بطبعه نَهِمًا وعاشقًا لتفاصيل التفاصيل وأدقها، بينما يُهمل كثيرون من صحافيينا وكتابنا الكرام بُعد التعمق في التفاصيل بما لا يُلبي احتياجات قارئ اليوم، بينما يتعلل البعض بإشكالية “العامل الزمني” و”التوقيت” الذي يَحول بينه وبين إتمام المادة الصحافية شاملة التفاصيل كافة، وهو تعليل “حق” لكن يُراد به “باطل” في الأخير.

إشكالية العلاقة بين “التوقيت الزمني لإنجاز المادة التحريرية للحاق بالنشر” وبين اكتمال المادة لتشمل مختلف التفاصيل، إذ تَظل قائمة استنادًا على عوامل عِدة، تحدثت عن عاملٍ منها في مقالٍ سابق حول (كشف الإنتاج.. والعلاقة بين الكم والكيف في مهنة الصحافة) عبر موقع الصوت الحر قبل أسابيع، وبينما توجد المزيد من العوامل الأخرى، إلا أن ذلك لا يمنع حقيقة أهمية وجود التزام داخلي لدى الصحافي أو الإعلامي بشكل عام؛ ليقدم ما يأمله القارئ ويتمناه.

أرى أن أولى المبادئ الأصيلة في الصحافي المُحترف (وليس الهاوي)، أن يكون هو أيضًا تواقًا لمعرفة أدق التفاصيل حول كل ما يواجه من قضايا، إذ أن طبعه الشخصي أو تطبعه المهني للبحث والغوص في التفاصيل هو جزء أصيل لا يُمكن أبدًا وبأي حال من الأحوال أن يتم بتره أو استئصاله من الصحافي، لأن ذلك إن حدث معناه سلب ركن رئيسي من مبادئ وأساسيات العمل الصحافي، مما يؤدي إلى إنتاج مادة غير مُكتملة، أو غير صحافية.

ومن ثمَّ فإن توقك –كصحافي- للمعرفة، وملاحظة وملاحقة أدق التفاصيل، يدفعك نحو مصارعة التوقيت الزمني؛ لرصد كل ما تعرفه عن الواقعة التي تكتب عنها خبرًا أو تحقيقًا، وكذلك أن تتناقش مع مصدرك في أدق التفاصيل حول قضية ما في حوارٍ صحافي أو تصريحات يومية إزاء قضية معينة.. إلمامك بالتفاصيل الكاملة، يجعل لديك مخزونًا معلوماتيًا، بوسعك رصده وتحليله في المادة التحريرية التي تتناولها، وفي أسرع وقت، بما يُمكّنك مباشرة من التغلب على الإشكالية القائمة بين التوقيت وعمق المادة واكتمالها، كأحد الحلول الضرورية والرئيسية في هذا الإطار.

والصحافي على اعتباره ناقل الحدث والحقيقة للقارئ، أو راوٍ للأحداث والوقائع،  فعليه أن يلتزم بأسس الرواية والنقل الموضوعي الدقيق، والمُكتمل، فالاكتمال وعدم إغفال التفاصيل حتى لو كانت من وجهة نظر الصحافي ليست مُهمة، هو جزء من “الأمانة الصحافية”.

ولقد لفتي انتباهي وبشدة، حِنكة الكثيرين من رواة التاريخ والوقائع والأحداث السابقة التي نقرأها إلى الآن في كتبهم وما نُقل عنهم أو ما نقلوه عن غيرهم، فهم في نظري يُمارسون طقسًا من طقوس “الصحافة” لتسجيل الأحداث وتحليلها وتفنيدها، فعلى سبيل المثال، توقفت كثيرًا عند حديث شهير جدًا نقله أو رواه الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، وهو ضمن الأحاديث “النووية” نقل فيه مشهدًا “سينمائيًا” أو بلغة المقام الحالي مشهدًا “صحافيًا” مكتمل الأركان والأرجاء دون إغفال التفاصيل حتى تلك التي تبدو أقل أهمية للمتلقي.

تلك الرواية التي أرصد تفاصيلها لاحقًا، اعتبرتها فور قراءتها، نموذجًا أو دليلاً صحافيًا، بأهمية التعمق في المادة ورصد مختلف تفاصيل الحدث أو الواقعة.

فمشهد دخول “رجل غريب” إلى مجلس نبي الإسلام، يُكتشف بعد ذلك أنه “جبريل”، يسأله عن معنى (الإسلام والإيمان والساعة وأماراتها)، موقف ثري بالمعلومات حول معاني تلك المصطلحات، وكان جديرًا أن يذكر أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم، مكتملة، ليصبح “الراوي” بذلك قد تعمق في نقل الحدث إلى القارئ أو المتلقي بعد حين، إلا أن الراوي هنا، وهو عمر بن الخطاب، ذهب لأبعد من ذلك، وبدأ يصف الحدث وصفًا أكثر دقة، ليبدو وكأنه “مشهد سينمائي” أو “لوحة فنية” مكتملة التفاصيل، أو تقرير صحافي مبالغ في روعته ودقته، فروى الموقف وتفاصيله، قائلاً:

(بينما نحن جلوس عند رسول الله (1).. طلع علينا رجل(2).. شديد بياض الثياب (3).. شديد سواد الشعر (4)..لا يرى عليه أثر السفر (5).. ولا يعرفه منا أحد (6).. حتى جلس إلى النبي (7).. فأسند ركبتيه إلى ركبتيه (8).. ووضع كفيه على فخذيه (9).. فقال: “يا محمد أخبرني عن الإسلام”..إلخ

الراوي في نقل الحدث أو الواقعة قبل أن يبدأ في الرصد المعلوماتي لأهم ما جاء في الواقعة محل الرواية، اعتمد على (9) تفاصيل، كمقدمة لما هو آتٍ، تمكن خلالها من رسم صورة مُعمقة للحدث، إذ لم يُغفل تفصيلة واحدة من جموع تفاصيل المشهد، فتحولت روايته إلى مشهدٍ يُثير صورًا بذهن القارئ أو المتلقي حتى الآن.

وباستكمال الحديث، رصد الراوي استفسارات الزائر “جبريل عليه السلام” من النبي، وأجوبة النبي عنها بشكل مُكتمل، بينما لم يفوته أيضًا رد فعل النبي عندما انطلق الزائر، والحوار الذي دار بينه وبين راوي الحديث، الذي “لبث مليًا” في البداية، ليرصد في الأخير أن الزائر هو “جبريل”.. ليس فقط كشف الحجاب عن ماهية الزائر، ولكنه نَقل عن النبي تفسيرًا لمغزى وهدف تلك الزيارة وهذا الحوار، ليقول النبي (هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم).

وتمتلئ كتب التاريخ القديم والحديث والسير والرواية بوقائع عديدة، تمكن الراوي أو الكاتب حينها من تقديم وجبة معلوماتية شيقة للقارئ، وفي الوقت نفسه لم يغفل بُعد العمق، ورصد أدق التفاصيل، من باب “الأمانة” في نقل الحدث، ومن باب أن أي معلومة حتى ولو كانت “قليلة الأهمية” بالنسبة للكاتب فهي فقد تُمثل أهمية بالغة لآخرين بعد ذلك.

تلك الزاوية من الرواية المُعمقة لواقعة من الوقائع وغيرها من زوايا أخرى، تضع الصحافي أمام تحدٍ هائل أمام “نفسه” في البداية وأمام قارئه أيضًا، إذ أن عليه أن يُشبه نهم وتوق القارئ للتفاصيل، دون سرد مُمل، ودون مط وتطويل أيضًا.. الصحافي في تقديري ما هو إلى باحث لديه مهارات الأديب أو الروائي، لديه ملكة الوصف والحكي المُعمق و”المنمق”، والذي يتفادى أن يشعر قارئه بالممل أثناء القراءة، يُمتعه برصد التفاصيل والمعلومات التي حصل عليها من خلال بحثه، دون إفراط في المط والتطويل أو تفريط في الكنز المعلوماتي للواقعة محل الرواية أو القضية التي يتم مناقشتها.

عصر السرعة ليس مبررًا لإهمال التفاصيل، التي قد تُسقطنا جميعًا في بحار من الجدل حول معلومات منقوصة على غرار (لا تقربوا الصلاة)، فالواقع الإعلامي العربي في تقديري يشهد “أزمة عمق”، خاصة في نوعية مثل الصحافة الاقتصادية، على سبيل المثال، التي تلعب فيها الأرقام والمصطلحات دورًا رئيسيًا، يحتاج تدخل من الكاتب لتفسير بعضها، لفك ألغاز الأرقام.

عن محمد خالد

محمد خالد
صحافي وكاتب من مصر
تعليقات