لمن التحرير اليوم؟ سؤال بالدماء والحجارة

من جمعة كشف الحساب
من جمعة كشف الحساب.

“افتكروهم !” لا يبدو أن احدا في هذا الشارع التفت إلى هذه الملحوظة، على الرغم من بقع الدماء الكبيرة التي تحيطها، حاملة اسماء من استشهدو ذات يوم، هنا أو هناك، في محمد محمود، عبد المنعم رياض، أو استاد بورسعيد، كان الجميع غارقا في دماء اخرى تسيل هذه اللحظة، بجوار هذه الجدارية التي رسمها اعضاء اولتراس اهلاوي تخليدا لذكرى شهدائهم في بورسعيد.

 

انشغل البعض – من فريقين يتنافسا على احتلال ميدان الثورة التي لم تكمل عامها الثاني – بالتقاط احجار باحجام مختلفة من على الأرض، وانشغل آخرون بمنع رميها على الطرف الآخر، فيما تلتقط كاميرات صحفية – بعضها اجنبية – صورا لفرقاء اجتمعوا ذات يوم في ذات الميدان ليدافعوا عنه ضد غزو البلطجية، فيما عرف وقتها باسم معركة الجمل، الآن هم يتقاتلون لاسباب مختلفة.

 

بالقرب من هذه الجدارية حرص مئات من مؤيدي الرئيس محمد مرسي، على عدم اجتياز معارضوهم عتبة شارع محمد محمود، بعد أن حطموا مناصاتهم وطردوهم من الميدان، ثم بادلوهم التراشق بالحجارة في شارع كان الطرف الثاني فيه دائما عناصر الداخلية، وليس مواطنون مدنيون آخرون.

 

على الجانب الآخر، واصل المتظاهرون الذين خططوا منذ اسابيع لمليونية ضد الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمون، هتافاتهم ضد المرشد والرئيس، “بيع بيع بيع، الثورة يا بديع.” محاولين استعادة مكانهم في الميدان، بالعنف ايضا.

 

حان الآن موعد صلاة العصر.

 

عبثا حاول متعقٌلون من الطرفين وقف التراشق، وقفوا في منتصف الشارع يلحوون للطرف الآخر بالكف عنه، والاحجار تنهال من خلفهم، يصرخ احدهم يائسا “هو العصر مش راضي يأذن ليه؟”، تفصلهم ربع ساعة كاملة عن موعد الصلاة، لم تنقضي حتى ظهر مصلون في منتصف الشارع، يحلق حولهم المتعقلون زاعقين في الطرفين “اوقفوا الضرب الناس بتصلي!”.

 

لا يمكن وصف ما حدث على أنه توقف كامل عن التراشق، لكنه كان فرصة لتراجع مؤيدي مرسي إلى التحرير، وسماحهم بدخول اندادهم إلى الميدان، الذين ابدى بعضهم عدم رغبتهم في نسيان ما حدث، حذر احدهم الآخرين: أن ما يحدث هو “كمين”.

 

ذوبان في دعم الرئيس.

 

بمجرد أن دخلت المسيرة التي تجمع فيها مئات من مناهضي جماعة الإخوان المسلمين، ميدان التحرير، وجدت نفسها بدلا من أن تهتف “الشعب يريد اسقاط النظام”، هتفت “حرية عدالة، مرسي وراه رجالة”، وقد تحولت المئات إلى الاف، لكن من مؤيدي الرئيس الحالي.

 

الأمر الذي دعا بعض المناهضين إلى الصراخ بهتافتهم، لكن دون جدوى، فقد تفرق اغلبهم في مجموعات صغيرة، يحيط بها الاف من انصار الرئيس وحزبه وجماعته، فتحولت الهتافات إلى سباب، لم يستمر الأمر طويلا حتى عادت الاشتباكات من جديد، انحسر بعض المناهضون في شارعهم يرشقون المؤيدون، وبقي البعض الآخر في الميدان يصرخون من أجل أن يُسمع صوتهم.

 

مشاهد دامية متكررة.

 

المشهد الأول: يطرد مؤيدي الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين معارضوهم من ميدان التحرير، بسهولة نظرا لقلة عددهم، مقارنة بهم.

 

المشهد الثاني: يطرد المعارضون، مؤيدي الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين من الميدان، نظرا لقلة عددهم، مقارنة بهم.

 

المشهد الثالث: يطرد مؤيدي الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين معارضوهم من الميدان مرة اخرى، بسهولة لقلة عددهم، مقارنة بهم.

 

المشهد الرابع: بعض المؤيدين يمسكون بشاب اثناء سيطرتهم على الميدان أمام المجمع ويبرحونه ضربا، قبل أن يحرره مؤيدون آخرون من قبضتهم، ويساعدونه على ركوب موتوسيكل اسعاف شعبي.

 

المشهد الخامس: بعض المعارضون يمسكون برجل اثناء سيطرتهم على الميدان (في نفس المكان) ويبرحونه ضربا، قبل أن يحرره معارضون آخرون من قبضتهم، ويساعدونه على الوصول إلى احدى عربات الاسعاف القريبة.

 

المشهد السادس: يحاول الطرفين أن يوقفا الاشتباك قبل أن يعاوداه مرة اخرى.

 

هل هناك رواية اخرى؟

 

اثناء سيطرتهم على الميدان، يقف احد المؤيدين، لابسا كاسكيت يحمل شعار “الإخوان المسلمين”، وسط مجموعة من المواطنين تجمعت اول شارع قصر النيل، متسائلا “عما يريده هؤلاء؟” في إشارة إلى مجموعة من الشباب على مرمى بصره يشتبكون بالحجارة لساعات في شارع طلعت حرب مع انصار الرئيس والجماعة.

 

يرى أنه كان من المفترض أن يعبر كل شخص في الميدان عن رأيه بشكل سلمي، ودون احتكار للميدان الذي لا يملكه احد، قال “أن البادئ اظلم”. اضاف آخر “كانوا رافعين الاحزية في وجوهنا اثناء صلاة الجمعة”، اجمعا أن تحرشات من هذا القبيل أدت إلى حادث المنصة التي هدمها الإخوان المسلمون في بداية العنف المتبادل.

 

في الميدان، قال آخران أن الطرف الآخر عندما سيطر على الميدان لم يسمح بوجودنا، واعتدى على كل من حمل أو ارتدى شعار “الإخوان المسلمين”، كان هذا في لحظة دخول مسيرة من شارع طلعت حرب اثناء هدنة قصيرة، علق احدهما “هتشوف، هيبدأوا الضرب تاني”.

 

بعد دقائق، عادت الحجارة تحلق في سماء التحرير من جديد، دون أن يتيقن احد من أي جهة بدأت في التحليق.

 

من وما الداعي؟

 

بغروب الشمس كليا عن ميدان، خرج المؤيدون إلى دار القضاء العالي، يردد بعضهم هتفات “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم”، مطالبين بالقصاص للشهداء، وإقالة النائب العام، فيما احتفل الداعون لجمعة الحساب، بفوزهم بميدان التحرير، ولانتصارهم على اندادهم الذن يتهمونهم بالسطو على مليونيتهم التي اعدوا لها منذ اسابيع، ليطالبونه بتنفيذ باقي مطالب الثورة من القصاص للشهداء، وصياغة دستور يعبر عن كل المصريين ويصون حقوقهم، وتقنين وضع جماعة الإخوان المسلمين، ومنع تدخلها في أعمال الحكومة أو الرئيس.

 

في الوقت الذي كان يهتف فيه مناصروا الجماعة والرئيس، داعمين قراره بابعاد النائب العام عن منصبه، والذي قال عنه وزير العدل في وقت لاحق أنه لم يصدر اصلا، بل قيد الدراسة والتشاور مع المجلس الاعلى للقضاء، وهو أمر يرى فيه الداعين لجمعة الحساب من التيارات المدنية أنه كان يمكن أن يتم بعيدا ميدان التحرير، وليكن أمام دار القضاء العالي مثلا، وهو ما تحقق في النهاية بانسحاب هؤلاء إلى هناك، لكن بعد ساعات طويلة من الاشتباكات، وعشرات الجرحى.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

شاهد أيضاً

موال حزايني وفرداني..فرداني!

عندما أقلب في صوري أجد تلك الابتسامة “المقلوبة” التي تعبر عن نصف سعادة / نصف امتعاض، …

اترك تعليقاً