القصص الخبرية ذات البعد الإنساني

أحد المتظاهرين بميدان التحرير - 29 يناير 2011 - تصوير: مصطفى علي

للصحفيين الذين يساهمون في تدفق كل هذا الكم اللامعقول من الانباء، التي لا يمكن أن يتحملها الجهاز العصبي للجمهور، في نفس الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل المعلومات الجديدة الواردة بخصوص قضايا مصيرية بالنسبة لهذا الجمهور.

يمكن أن يوفر الصحفيون البديل لتلك الاخبار الجافة، بجوار البدائل الاخرى التي لا يوفرها الصحفيون من وسائل الإلهاء، والتي تصاعدت بشدة في الأزمات الكبرى التي احاطت بالوطن منذ غزو العراق 2003، وظهور برامج المسابقات والتلفزيون الواقعي، وحتى توابع الثورات العربية مع تصاعد القنوات الغنائية ذات الطابعة الشعبي، وقنوات الرقص الشرقي.

وسط الاحداث المشتعلة يمكن للصحفي أن يمارس دوره في نقل الحدث، ومقاومة الملهيات التي ينجرف إليها الجمهور، التي تسعى إلى التغييب.

حيث يلتقط الصحفي تلك التفاصيل والخلفيات ذات الخصوصية الشديدة، والدلالات العميقة، لاحداث عادية واشخاص طبيعيون، وأماكن لها دور رئيسي في الحدث المسيطر على المشهد الإعلامي، لينسج بها فنا صحفيا يغطي الجانب الذي لطالما يغفل اثناء التغطية الصحفية.

تختلف التعريفات الاكاديمية حول ما إذا كانت القصة الخبرية ذات البعد (الاهتمام) الإنساني مقالا يكتبه الصحفي عن الجانب الإنساني والذي يثير اهتمام القراء، أم كونه احد انواع التقرير الصحفي، لكنه في هذا النوع ذا طابع إنساني.

وعلى الرغم من اقتراب هذا النوع إلى سمات التقرير الصحفي، من حيث اشتراط الموضوعية والدقة والتحليل، غير أنها سمات لا تنتفي عن فن المقال الصحفي المظلوم، نتيجة للفهم والممارسة الخاطئة لهذا الفن، باعتباره مساحة للرأي أو الخواطر دون مراعاة الاعتماد على المعلومة والدقة والموضوعية.

لذا لا خلاف عملي بين التعريفين اثناء الممارسة، فعلى الصحفى اثناء ممارسته لهذا الفن أن يخطو خطوات بعينها، لمراعاة المبادئ الاساسية لصحافة المعلومة لا الرأي، كي لا يسيء استخدام هذا الفن الذي قد ينجرف إلى العاطفية واللاموضوعية، إذ عليه توخي مبادئ: الجدة، الموضوعية، الدقة، بالإضافة إلى عنصر الجاذبية المشروطة في هذه الحالة.

1-    تدريب العين (اللقطة):

حيث يدخل في اهتمام الصحفي أثناء تغطيته للأحداث تفاصيل متداخلة عن الزمان، المكان، الأشخاص، ردود الأفعال، والاحداث العابرة لينسج بها جوا دراميا محيطا، يتألف من الاصوات والروائح والاجواء المسيطرة، يخدم لقطته الرئيسية التي قد تبدو لغيره في مسرح الاحداث عادية، كاستخدام القنابل المسيلة للدموع في تفريق المظاهرات، وتعامل مواطن معها الذي يمكن أن يكون قصة باتها عن خبرات المواطن التي تتراكم مرة بعد أخرى في التعامل مع قوات الأمن.

ولا يقرر الصحفي النزول إلى مسرح الحدث للخروج منه بقصة من هذا النوع، إذا أن هذه القصص ودلالاتها هي التي تفرض نفسها أمامه، لكن عليه التيقظ لها اثناء التغطيات الصحفية، واثناء قيامه بانشطة حياته العادية كل يوم، إذ “خلف كل الاشخاص العاديين، قصصا غير عادية”.

2-    المقابلة:

لا يكفي الاعتماد على لقطة إنسانية ما، أو شهادة مواطن صاحب قصة ذات دلالة على الاحداث، لكتابة تقرير إذ أنها في أغلب الاحوال لن تكون وافية أو مكتملة الابعاد أو التفاصيل، لذا فدعوة صحاب القصة أو احد المحيطين أو المذكور اسماءهم في القصة لفنجان قهوة على المقهى، أو زيارته في مقر عمله أو منزله، والخوض في حوار ودي، سيدعمكأ بكثير من التفاصيل.

أو قد تستدعي هذه الرواية شخصا من الماضي صاحب رواية مشابهة أو مخالفة قد تثري قصتك، لذا فإن عقد المقابلات، يصل بك إلى مرحلة متقدمة من الدقة.

3-    البحث:

قد تكون قصتك جذابة ممتعة ومكتملة الأركان، لكنها دون البحث فيما تعنيه هذه القصة أو دلالاتها لن تعني انعكاسا للحدث العام، إذ أن الهدف من هذه القصة هو تناول الشأن العام ذاته لكن من زاية صانعيه أو المتأثرين به بشكل إنساني.

لذا يتعين عليك التأكد من أن قصتك ليست مجرد حكاية يمكن إضافتها إلى رصيدك الأدبي وليس الصحفي.

وهذا لن يحدث إلا إذا وصلت إلى مرحلة من البحث في الشأن العام الذي تتناوله، وفي تلك الدلالات التي تثيرها القصة، لتكون جاهزا لنسج الأثنين ببعضهما في قصتك.

4-    التعليق:

من أدواتك كصحفي هي قدرتك على رفع سماعة هاتفك أو تحديد مقابلة مع مصدر اكاديمي أو مسئول أو ناشط سياسي على سبيل المثال، للحصول على تعليقه، على المعلومات والوقائع التي تثيرها القصة، وليس القصة نفسها، فعملك حتى هذه اللحظة موضوعي وليس ذاتيا أو فنيا.

سيساعدك – إن لزم الأمر – هذا التعليق، على إيضاح أو شرح بعض الإشارات والاحداث البيانات التي ترد بقصتك، أو حتى الرد عليها من طرف مضاد لصاحبها.

ربما لن تحتاج هذا التعليق في كل الأحوال، حاول كصحفي يلتزم بالموضوعية أن تحصل على التعليق واستخدامه في معظم الحالات.

5-    الصياغة:

هناك فرقا جوهريا بين صياغة الخبر وهذا النوع من القصص، تعتمد الاخبار على تغذية القارئ بالمعلومات الأهم فالأقل اهمة في قالب الهرم المقلوب في اغلب الاحوال، لاشباع رغبته في الحصول السريع على المعلومة الجديدة، هذه طريقة تساعد القارئ على الهروب من باقي السطور التي قد تهمه وتأتي في ذيل الخبر، حالما يحصل على مايريده.

أما عن القصة الخبرية ذات البعد الإنساني فتعتمد على الجاذبية في الاساس، ونسج جوا دراميا دافئا، ربما يعتمد على التشويق في بعض اجزاء من قصتك.

فأنت لا تعتمد على الإخبار لقراءك، بل تضيف إليه الحكي والوصف للزمان والمكان، وردود الأفعال، وترسم الأشخاص أثناء تفاعلهم مه الحدث، وحديثهم معك.

لكنك في النهاية يجب أن تدعم قصتك بالمعلومات الكافية في كل فقرة، وكل مقطع في قصتك، وأن تصيغ كما هي عادتك كصحفي، كل ما يهم القارئ وفي نفس الوقت يدعم قصتك الرئيسية، وتستبعد تلك التفاصيل التي لا داعي لها حتى وإن بدت مؤثرة لكن غير ذات دلالة.

وإذا قمت بعملك جيدا، فلن تصبح قصتك مجرد مقدمة لتقرير خبري عادي، فكل ما هو مطلوب من هو نسج تلك المعلومات الجافة التي حصلت عليها اثناء بحثك، مع تلك التفاصيل التي حصلت عليها في مقابلتك في فقرات متزنة وايقاع واحد,

6-    استخدم كل الوسائل المتاحة:

وزع مجهودك أثناء رحلتك على دعم قصتك بكل الوسائل العصرية المتاحة من صور تلتقطها، وتسجيلات بصرية وسمعية، وتدورينات، وأنتج بها تقريرا مسموعا لأو تلفزيونيا مختصرا وموازيا، أو أدمج هذه المواد مع تقريرك.

سجل لقاءاتك بكاميرتك الديجتال (فديو)، وصور الاحداث اثناء إندلاعها، احصل ايضا من مصادرك على صور وفديوهات تساعدك في هذا الشأن.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
محرر منصات الإعلام الاجتماعي بمجموعة نيتشر للأبحاث، مؤسس منصة على فكرة.

اترك تعليقاً