الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (22): قلبي ومفتاحه

اكتشاف الجسد (22): قلبي ومفتاحه

صورتي كما التقطها لي محمد ح. في 31 يوليو 2017.

«أحبكِ لكني لستُ واقعًا في حبك.»

طبيبي السابق، أحد أربعة أطباء نفسيين ترددتُ عليهم تباعًا في 2018، حين نقلت إليه هذه العبارة على لسان صديقي، قال لي: «نحن في الطب النفسي لا نعرف فرقًا بين الحب والوقوع في الحب، إما أنه يحبك وإما أنه لا يحبك.»

لكن، ما هو الحب؟

لم يستقر في عقلي وقلبي أني أحببت محمد ح، إلا بعد شهور من انفصالنا؛ الانفصال المؤلم الذي حدث بعد ما يشبه العلاقة العاطفية، أو يشبه الصداقة أكثر، أو يشبه ما كان عليه. كانت ستة أشهر، متبوعة بثلاثة أخرى، غيرت حياتي. كانت علاقتي بمحمد مفتاحًا فتح قلبي، وفعَّلني إنسانيًّا وعاطفيًّا بشكل غير مسبوق.

الثلاثة الأولى: صبّ المفتاح

هل نذكر لبنى التي بلا صوت؟ لبنى الصامتة التي كانت تسكت عن الأشياء حتى يخيل إليها أن الأشياء غير موجودة. لبنى المتجنبة التي كانت تَترُك قبل أن تُترَك، أو هكذا ظنت، فهذه الصيغة أيسر من مواجهة حقيقة الأمور؛ أمور التعلق والفقد والاحتياج. لبنى الخجلى التي ظنت أن كل ما حدث في ماضي حياتها غريب، غير قابل لأن يُروى، وروايته إن حدثت ستكون مدعاة للشفقة أو للسخرية أو في أفضل الأحوال لن يفهمها أحد. لبنى المكبلة بمأساتها، لا تستطيع تحرير نفسها ولا تحرير غيرها.

طيلة ثلاثة أشهر، كانت هذه اللبنى تنسلخ، وتتحرر بدلًا منها لبنى أخرى، تَسمع وتُسمع، تحكي ويُحكى لها، تهتم، تشارك، تضحك، تبكي، تتطهر، تستكشف حقيقتها، مشاعرها، وتستخدمها. محمد علّمني كيف أفعل ذلك كله، وكيف أكون صديقة جيدة، وكيف أمتن لامتلاكي صديقًا جيدًا وصادقًا وحقيقيًّا، يخرج مني أفضل ما فيّ، ويصالحني على نفسي، ويصلح بيني وبين كروب الماضي، ويفتح عيني على سحر التواصل الإنساني.

قبل تعارفنا في أبريل 2017، كنت أعرفه لأكثر من عامين من خلال ما أقرأه له، لكن ما تبادلناه من رسائل طويلة وقصيرة ومكالمات هاتفية في الثلاثة أشهر التالية، زاد إعجابي به، وقرّبني من شخصه الواقعي، وبدأت ألمس أثره في حياتي، حتى دون قصد منه ودون تأثير مباشر. ماذا حدث إذن لننتقل إلى المرحلة التالية؟

الثلاثة الثانية: إدارة المفتاح

اتبعت قلبي، سِرت، بل سافرت وراءه حرفيًّا. قررت ذات صباح أني سأشد رحالي الآن إلى مدينته لأكون بجانبه في ظرف ألمَّ به. كان لقاءنا الأول. أنا الآن لست مسموعة ومفهومة فقط، بل أنا مرئية أيضًا. أرى صديقي الجميل ويراني، ينظر أحدنا إلى الآخر غير مصدق أنه يراه فعلًا، نكمل أحاديثنا بتلقائية، نشعر بالارتياح، والبهجة، وماذا يسمونه أيضًا؟ الانجذاب.

إذن نحن الآن، ولثلاثة أشهر أخرى، صديقان، يألف أحدهما الآخر، وبينهما إعجاب وانجذاب يكفيان لنقل صداقتهما إلى منزلة أخرى، لو كانا محظوظين. الحظ، هذه هي المسألة. ظلت مشاعري نحو محمد تنمو، لكن علاقتنا لا تنمو بالقدر نفسه. تتعمّق على أكثر من مستوى، لكننا لا نلتقي. الحالة تسوء، لكنني سأفعل أي شيء ليكون بخير، لنكون بخير، ولتأخذ علاقتنا فرصتها في أن تكون. وأخيرًا، محمد يترك لي القرار. أقرر أن أرحل عنه لأني استنفدت جميع حِيَلي ولم يعد هناك ما يمكنني فعله.

الثلاثة الثالثة: المفتاح انكسر وسأصلحه ولا بد

كان وداعًا مريرًا، على الرغم من أنه تمّ في رسائل مصمتة عبر فيسبوك. قال لي إنه يتمنى لو كانت الأمور أفضل. قلت له إني لست أتركه لأني لا أطيق البقاء معه، ولكن لأني لا أطيق البقاء بعيدة عنه. في أثناء ذلك الوداع فقط، قال لي مقولته الشهيرة؛ إنه يحبني لكنه ليس واقعًا في حبي. أما أنا فكل ما اختبرته معه في الشهور الماضية، وكل خطواتي إليه، وكل لهفتي عليه ومواجدتي لآلامه، كل ذلك كان ينطق بحبي له.

هل سأتمكن من جعله يذهب؟ حاولت، لكنني عدت بعد عشرين يومًا لأشد الرحال إليه مرة ثانية وأخيرة، كانت كفيلة بإقناعي بأنه لم يعد هناك باب يُفتح بيننا. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، هذه المرة ليست كالأولى، أنا الآن أنظر إلى حبيبي لا صديقي فقط، لكن مشروع الحب لم يعد قائمًا، بل هو أمنيتنا المُجهضَة. النتيجة؟ عُدت بقلب فارغ ومكسور. حصلت على نهاية نعم، لكنها معقدة، وستظل تطاردني لشهور تالية. سأظل أشعر بملمس كفيه وضغطهما على كفَّي، وأنا أعلم أني لن أعانقهما أبدًا مرة أخرى. كانت إذن لمسة أولى، في علاقة أولى انتهت بالفعل، انتهت بالأحرى قبل أن تبدأ.

ما الذي تبقى من القلب؟

بعد الحزن والسقوط في قاعه طويلًا وكثيرًا؛ بعد محاولاتي المتكررة لتجاوز شعوري بالخسارة والوحشة وافتقادي لصديقي؛ بعد استعادة المشاهد آلاف المرات ومحاورة مشاعري نحوها ومعالجتها وتدوينها؛ بعد كل شيء، ورغم كل شيء، لم يعد بإمكاني أن أنكر ما حصلت عليه من غنائم. أهمها أنا الجديدة. لبنى ما بعد محمد ليست لبنى التي كانت قبله.

نعم، الشهور الأولى بعد فراقنا أوهنتني وجعلتني أذبل وأفقد ثقتي في نفسي، بل وأرتد أحيانًا لرؤية نفسي في أسوأ صورها التي ساعدني محمد في محوها والتغلب عليها. في ذروة اكتئابي توقفت حياتي، تضرر عملي، صرت عاجزة عن فعل أي شيء، لا أغادر سريري، لا أستطيع رفع رأسي عن الوسادة، لا أرغب في الحياة. أتت أوقات توقفت فيها عن المقاومة، لكنني ظللت أقاوم، حتى عادت إليّ الحياة من جديد باقتراب سبتمبر 2018، لا أعرف كيف.

حينما عدت إلى الحياة، كنت قوية واثقة مقبلة، أعرف ما أريد، أعرف ما يناسبني ولا أتنازل عنه، وأعرف ما لا يناسبني ولا أقبل به. لا أعرف إن كنت وقعت في حب محمد أم أنني أحببته فقط، لكني لا يسعني إلا الامتنان لهذا الحب، والتصديق بأن الحب ممكن، ينتظرني في مكان ما، وأنا جاهزة للقائه، مُشرَعةَ الأبواب والنوافذ.

اقرأ أيضًا:

اكتشاف الجسد (1): ما قبل البلوغ
اكتشاف الجسد (2): حديث العذرية والختان
اكتشاف الجسد (3): جسدي المراهق
اكتشاف الجسد (4): تفاعلات المراهقة
اكتشاف الجسد (5): الزلزال الأول: موت الجسد
اكتشاف الجسد (6): حياة البرزخ الأولى
اكتشاف الجسد (7): موت أكيد للجسد
اكتشاف الجسد (8): حكاية أحمد ومنى
اكتشاف الجسد (9): الجسد والموت والخيال
اكتشاف الجسد (10): اكتشاف الصمت
اكتشاف الجسد (11): الفن والجسد والجمال
اكتشاف الجسد (12): تجربة عاطفية زائفة
اكتشاف الجسد (13): الخروج من الحب الزائف
اكتشاف الجسد (14): اختلاط الصداقة بالحب
اكتشاف الجسد (15): من النقاب إلى الحجاب إلى خلعه
اكتشاف الجسد (16): حكاية الفتى الحلم
اكتشاف الجسد (17): الصحيان من الحلم
اكتشاف الجسد (18): العين لا تعشق كل جميل
اكتشاف الجسد (19): اقتلني ولا تجعلني أمًّا
اكتشاف الجسد (20): الجنسانية كشيء يُكتشف
اكتشاف الجسد (21): الجنسانية كحالة فضولية

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (20): الجنسانية كشيء يُكتشف

كنت أراجع طبيبًا نفسيًّا في عام 2016، وكلفني في إحدى الجلسات بالإجابة عن عدد من …

اترك تعليقاً