الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (2): حديث العذرية والختان

اكتشاف الجسد (2): حديث العذرية والختان

كنتُ في الثانية عشرة حين حدثتني أمي ذلك الحديث الشهير المرهوب، بكلماته المفتاحية الغريبة على أذني في ذلك الوقت: البكارة، الغشاء، شرف البنت، عود الكبريت، حافظي على نفسك، خلي بالك. كانت لهجتها جدية ومتهيِّبة، وكانت تفيض بالحنان الأمومي في الآن نفسه، وكانت المعلومات والتوصيات التي ألقتها على مسامعي غزيرة، لكن أبلغ ما وصلني منها هو أن الأمر خطير للغاية، وأنه لم يكن باستطاعتها تأجيله، ولا التخاذل عن نقله إليّ، تمامًا مثلما نقلته إليها وإلى أخواتها جدتي من قبل. وصفت لي أمي الغشاء الذي يغلف الفتحة الأنثوية بأنه «زي ورق السلوفان» سهل التمزق، ويُعد تمزقه مصيبة إن لم يحدث في الحلال على يد الزوج، وقالت لي: «أمي علمتنا أن شرف البنت زي عود الكبريت، لو ولَّع مرة، مش هيولَّع تاني.»

لم يكن ذلك في سياق تحذيري من خوض علاقات مستهترة مع الجنس الآخر قبل الزواج، لأنني كما أسلفت في المقال السابق كنت أعيش في عزلة عن الجنس الآخر، وسأظل كذلك لسنوات، ولكن كان الهدف الأبرز هو تنبيهي إلى هشاشة هذا الغشاء الرقيق الذي يمكن أن يتمزق لأي سبب، فيضيع مستقبل عود الكبريت الخاص بي. كنت ممتنة لأمي كثيرًا لأنها أخبرتني بكل ذلك في الوقت المناسب، وعلى الرغم من ذلك، اعتراني شيء غير يسير من الخوف. ظللت لأسابيع وربما لشهور أدعو الله في صلاتي وقبل النوم، ألا يكون شيء قد نال من غشائي، وأن يصلحه لي إن كان قد تضرر بجهل مني، فالله وحده يعلم أني لم أقصد سوءًا، وأن كل ما في الأمر هو أنني جربت ذات مرة شيئًا قرأته في أحد كتب الفقه المعنية بالمرأة. كان المؤلف «مستندًا إلى أدلة شرعية» يوصي بالتأكد من توقف دم الحيض، من خلال إدخال خرقة من القماش النظيف إلى فتحة المهبل، فإن عادت جافة، فقد انقطع النزيف، وإلا فلتكرر المرأة الفحص في وقت آخر. لم يقولوا شيئًا عن فحص البكر ذات الغشاء لنفسها، وذلك أغضبني منهم. «لكن الله وحده يعلم.»

بالطبع عندما أتذكر ما فعلته بالضبط في ظهيرة ذلك اليوم، أتيقن تمامًا من أنني كنت بعيدة كل البعد عن المساس بغشاء بكارتي (إن وُجد). لكن المرور بتجربة الشك والشعور بالذنب تلك، جعلني في السنوات المديدة التالية، حذرة كل الحذر من مجرد الاقتراب من فتحة مهبلي، وأتجنب تعريضها للمياه المندفعة، بل وأخاف عليها من تبولي نفسه.

سبق حديث البكارة، حديث جذاب ومهم آخر مع أمي، لم تُحِط المراهقة بكل جوانبه كالعادة. كان محفزه هو عبارة عابرة في أحد الكتب الدراسية (كنت آنذاك أدرس في البيت ولا أذهب إلى المدرسة ولا إلى غيرها). كانت العبارة تتعلق بكون ختان الإناث عادة فرعونية ذميمة، جرّمها القانون المصري حديثًا. في تلك المرة كانت أمي مرتبكة وغير واثقة، مما جعلها تؤثِر أن تنقل لي وجهتَي النظر كما تعرفهما، وقد كانت سيدة في أواسط الثلاثينيات من عمرها، حاصلة على مؤهل جامعي، وتتحرى الأصلح والأقوَم والأكثر استنارة، في تربية أبنائها الذين كنت الكبرى بينهم. كانت وجهة النظر الأولى تجرّم الختان دون أسباب واضحة، أما الثانية فهي موافقة للعرف وما جرت به العادة. حكت لي أمي عن أنها هي وجميع نساء عائلتها مختونات، وأن الختان نظافة للبنت، ولا يمكنها تخيّل ما تعيشه غير المختونات (من قلة النظافة)، لكنها مع ذلك كانت تستشعر أن الأمر مُختلَف فيه، وتفضِّل أن تترك لي الخيار عندما أكبر لأختار لنفسي بعد أن أكون قد كوَّنت وجهة نظري الخاصة، وذلك أمر (من بين أمور كثيرة) ما زلت ممتنة لأمي بشأنه.

كانت أمي تخشى أن تسيء إليّ وإلى أخواتي باتخاذ مثل هذا القرار الخاص بأجسادنا، بالنيابة عنا، لكنها لم تكن متخوّفة من أن يفوت أوانه، فقد حكت لي عن نساء تعرفهن طلبن بأنفسهن وهن كبيرات أن يختتن قبل الزواج، بل ومنهن من خضعت طوعًا للعملية في أثناء وضعها مولودها الأول، لتكون أنظف وأقوَم، سواءٌ أتمّ ذلك برغبة مباشِرة منها في المقام الأول، أم برغبة من الزوج، أم بتوصية من الطبيب أو الطبيبة التي تباشر عملية الولادة. أفكّر في أن لو أنّ هذه الحالات الأخيرة ما زالت تتكرر بالفعل، أو أن منهن من هي على قيد الحياة اليوم، فسيكون مثيرًا أن يسألهن الباحثون عن حياتهن (لا سيما الجنسية) قبل الختان وبعده.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (18): العين لا تعشق كل جميل

بطبيعة الحال، تخلل محطات الإعجاب الكبرى التي مررت بها، افتتانات صغيرة، قد تطول وقد تقصر، …

تعليقات