الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (19): اقتلني ولا تجعلني أمًّا

اكتشاف الجسد (19): اقتلني ولا تجعلني أمًّا


أتهلل حين أواعد رجلًا وأسأله السؤال الاعتيادي: هل ترغب في إنجاب الأطفال؟ فيجيب بالنفي، وحبذا لو قال إنه يكرههم تمامًا. ماذا فعل الأطفال لنكرههم؟ لا شيء. بالضبط، لم يفعلوا شيئًا، ولذا فليس ثمة ما يدعونا إلى معاقبة أنفسنا ومعاقبتهم بجلبهم إلى هذا العالم، بغير إرادتهم وبغير ذنب اقترفوه.

أعلم أنها سنة الحياة، وأن التناسل من ضروريات استمرار النوع البشري، وأن السواد الأعظم من الناس سيبقى مبرمجًا بيولوجيًّا واجتماعيًّا على تمرير جيناته إلى ذريته والأمل في أن يكونوا دون غيرهم حملة لواء إنقاذ البشرية وجعل العالم مكانًا أفضل. لكن الواقع أنه لا شيء يضمن أن يجعل أي من الوافدين العالم أفضل، ولا أن يحظوا حتى بحياة جيدة تخلو من العذابات والآلام، ولا ألَّا يكونوا هم أنفسهم وبالًا على مجتمعاتهم وأداة للإفساد في الأرض.

كل تلك أسباب عامة سيسهب في شرحها أي رافض للإنجاب، لكنها ليست السبب الأوحد الذي يجعلني أفضِّل الموت على أن أكون أمًّا ذات يوم، لذا سأعدد أسبابي الخاصة.


أن أكون أمًّا وثيق الصلة بأمي

عبر فصول هذه السلسلة من مقالات اكتشاف الجسد، أتيت على ذكر أمي مرات عديدة، كانت صديقة طفولتي ومراهقتي، وفقدت الكثير بفقدي إياها في سن مبكرة، تأثرت بها وكنت أرى نفسي من خلالها، أحببتها وتعلقت بها ورفعتها في شعري ووجداني إلى منزلة الإلاهة. لكن قصة الحب تلك لم تخلُ من جوانبها المظلمة، لم تخلُ من الغضب واللوم والرفض، بل وحتى الشعور بأن أمي لم تحبني قط حب الأم لابنتها الكبرى، أول فرحتها. هي لم تفرح بي، وكنت سببًا في غمِّها وكآبتها، كنتُ طفلتها العنيدة الشقية التي تحوَّلت بفعل التدجين والعزلة إلى مثال للبنت الصالحة. كنت أرى أن حبها لي في السنوات القليلة الأخيرة التي سبقت موتها، لم يكن مدفوعًا إلا بالصورة الصالحة التي صرت عليها، وبحاجتها إلى الفخر بأن لها ابنة مثلي ذات خلق دين ولا تحيد عن الطريق المستقيم. وللسبب نفسه كانت تهاجم أي بادرة إهمال مني. قالت لي مرة: هل تعرفين ماذا تشبهين؟ تشبهين الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. كانت تنظر لي نظرة عتاب مُرَّة لأنني (ابنة الحادية عشرة) لا أواظب على الصلاة في مواعيدها، مع أني أكثر من الصيام وقراءة القرآن والتفقه في الدين. حتى صلاحي الذي أحبتني أمي من أجله، لم يكن طعمه يعجبها.

باستثناء بعض سنوات طفولتي التي ظننت فيها أني أكره أمي، كراهية طفولية، أعتقد أني لم أكرهها حقًّا، لكن مشاعري نحوها لم تكن محددة، لم أكن أحبها، مع اعتقادي أنها طيبة ومحبة وتستحق الحب، لكنني أنا من لا تستطيع أن تحبها. كان خطئي وحدي. لكن جدلية الحب والكره هذه لم تكن مهمة، بقدر ما كان المهم هو تأثير أمي الذي لا يسعني إنكاره. قلتُ إنني استمددت منها صورتي الأولى عن الجسد بشكل عام، وعن جسدي بشكل خاص. تعلَّمت أول ما تعلمته عن الحب والزواج مما قصته عليَّ من قصتها مع أبي. ظللت حتى سنوات قريبة حبيسة فكرة أنني سأعيد تجسيد حياتها، نمط حبها وتعلقها، علاقتها بزوجها، ألمها الجسدي والنفسي، ما استهلكه منها الحب وإنجابها لأبنائها الأربعة، شقاؤها وانتهاء حياتها بالموت المبكر، والأفدح تخليها بالموت عن أبنائها. لطالما كان كل هذا يؤلمني ولا أريد تكراره، لا أريد أن أتألم، ولا أن أجلب أطفالًا يتألمون وأموت عنهم.


تلكَ الأجنةُ التي

تتخلقُ في رأسِ العذراء

لا بدَّ أن تموت


امرأةٌ بهذا الميراثِ من الموت

لن تلدَ إلا أجنةً ميتة

مقتولة

لن تلدَ أصلًا

لا أحدَ يقتلُ أجنتها

العذراءُ بنفسِها

تقتلُهم

لا يزعجُها صراخُهم

لا يؤلمُها


تفسِّرُ:

منحُ حياةٍ لجنيني الميت

لن يحييَني

لن يكفَّ يدَ الموت

أختارُ حملَ الموتِ داخلي

أختارُ أجنتي الميتة

لا أختارُ تمريرَ الإرث


تجيبُ:

سأُنسى؟!

العذراءُ الأمُّ؛ أمي

منحتني الحياةَ

ومررتْ لي ما مررت

ثم نُسيَت


في رأسِ العذراءِ

– المليءِ بالأجنةِ الميتة

وبتلكَ التي ستموت –

تبدو ذكرى الأمِّ

مبنيةً بكاملها

دماغيًّا

وتبدو الحياةُ

كأن لم تحدثْ قط


العذراءُ

لأجلِ ذلكَ

ولأسبابٍ أخرى تتعلقُ بالمرارة

ولأنها رحيمة

ستظلُّ تقتلُ أجنتها

تغيظُ الموتَ

وتفرغُ قلبَها من الحبِّ

ومن الكراهية


الموت لأسباب أخرى، من ديواني العذراء تقتل أطفالها


الأمومة أخذت حظها مني بالفعل

حكيتُ من قبل كيف تحوَّلتُ بموت أمي أمًّا لإخوتي. هذا ما أحسستُ به وتصرفتُ على أساسه، وهو ما كان متوقعًا مني، فلم يكن ثمة أحد غيري ليقوم بهذا الدور. أحببتهم وأحبوني وتوثقت علاقتنا، لا كإخوة فقط وإنما كرفقاء رحلة، وما زالوا حتى اليوم يتأرجحون بين الامتنان لي ولدوري في تلك الرحلة، وبين اللوم لي على أخطائي، وكوني لم أعوِّض الأم حقًّا. كنت أمهم بما بذلته من جهد وعواطف وسنوات لم أهتم فيها بنفسي كما اهتممت بهم، ولم أعِ وجودي بقدر ما حاولت جاهدة أن أعي «وجودنا» وأرعاه. وفي الوقت نفسه، لم أكن أمهم، لأني ببساطة لم أكن أمهم، ولم يكن شيء ليكفي لسد الفجوة، ولأنهم عانوا هم أيضًا وتحمَّلوا وقاموا بالأدوار لأجل الكل ولأجل أن يكفِّي أحدهم نفسه. كان هذا هو حظي من الأمومة وحظها مني، وأنا راضية به وبما منحني من العطايا. لكن شكرًا، لا أرغب في المزيد.


نفسي أولى بأمومتي

امرأة مصابة باكتئاب وقلق مرضيين، لهما أعراض نفسية وجسدية واضحة، تلزمها الفراش في النوبات الأكثر عنفًا، تتحسس من الألم والضوضاء، تتحمل من الضغوط ما تتحمل لكنها تنهار من وقت لآخر، تحاول معالجة مسألة وجودها نفسه، وتتحايل لجعله محتملًا وغير مؤلم لها ولا للآخرين. هذه المرأة التي فقدت أمها في الرابعة عشرة من عمرها، وتورطت في لعب دور الأم منذ تلك اللحظة، ما الذي سيجعلها راغبة في خوض تجربة الأمومة؟ كيف ستتحمل فكرة أن يتمزق جسدها المتعب ليلد طفلًا لن تملك الطاقة لرعايته، ولا يوجد ما يضمن أن تكون الحياة رحيمة بها وبه؟ كيف ستتحمل أن يُضاف ثقل وجوده إلى ثقل وجودها؟ من أين لها باستشعار أي معنى من وراء استمرار هذه المعاناة وتوارثها؟ كيف ستتعامل مع هذا المصدر الجديد للحزن والخوف والقلق؟ اقتلها رجاءً ولا تجعلها أمًّا.



اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (17): الصحيان من الحلم

  بعد التقائي بالفتى الحلم في أبريل 2014، وإزاحتي ذلك الثقل عن صدري، بإخباره أنه …

تعليقات