الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (17): الصحيان من الحلم

اكتشاف الجسد (17): الصحيان من الحلم

تصوير لبنى أ. ن. 2014

 

اسمه أحمد. لم أعد أستسيغ كلمة «الفتی الحلم»، فأحمد وإن لم يكن قد أصبح واقعًا بعد، فهو الآن خارج حدود الحلم الضيقة، أو هكذا أتمنی.

بعد التقائي بالفتى الحلم في أبريل 2014، وإزاحتي ذلك الثقل عن صدري، بإخباره أنه هو، انتهى الأمر من ناحية، واستمر من ناحية أخرى. لشهور تلت ذلك الحدث، مررت بفصول كثيرة ومتتابعة، لاحقتها بالكتابة كعادتي، مرات على العلن، ومرات أكثر وأكثر خصوصية في مذكراتي. شاركت بعض هذه الخواطر مع أحد أصدقائي، أرسلت له الرسائل، وأرسلت إلى صديقة أخرى، واعتزلت القسم الأكبر من أصدقائي ومعارفي، لأنني لم أكن أشعر بالسلام، وكنت حانقة على نصيبي من العلاقات الإنسانية الهشة وغير ذات المعنى. لم أرد الاحتفاظ بالمزيد من الأصدقاء الافتراضيين، الموجودين في حياتي دون أن يوجدوا فيها، أصدقاء السطح. بالإضافة إلى أن ردود فعل الناس على خلعي الحجاب مؤخرًا جعلتني غاضبة من بعضهم، ومرتابة في البعض الآخر. لم يكن بوسعي أن أتحمل التعامل مع أشخاص وأنا أعلم أنهم ينظرون لي نظرة تحقيرية ولا يحترمونني، سواء صرَّحوا بذلك أم أخفوه.

أخي يعتقد أني هدمت سنوات طويلة من بناء الصورة الإيجابية، فقط لأنني قررت أن أغير مظهري تغييرًا طفيفًا. ورأيه معتدل مقارنة برأي خالتي: «اللي تخلع الحجاب ممكن تعمل أي حاجة بعد كده، لأنها ما بقتش بتخاف من ربنا»، وزوج خالتي يؤكد أنه «شامم ريحة الإلحاد من سنة». يأتي عليَّ حينٌ أو أكثر وأرى كل شيء أسوأ ويسوء، لكن تصبِّرني الشمس وطاقات النور والخير المطلق. حتى أولئك الأشرار أو الجاهلون أو أيًّا كان نوع العطب الذي أصاب إنسانيتهم، أحاول أن أضع نفسي مكانهم، أن أتفهَّم، أقول لأخي: «لكنهم لا يعاملونني بالمثل، بينما أنا التي عليها أن تكون مكاني فعليًّا، أنا وحدي أعيش دوري، ولن يعيشه عني أحد».

إذن فقد كنت أتعامل مع توابع قراري باختيار مظهري وأسلوب حياتي، التوابع التي كانت تتجدد مع كل اصطدام جديد بالعائلة، وبالصورة التي أرادوها لي، على الرغم من أحدًا منهم لا يحمل همومي، ولا يضطلع بمسؤولياتي. وفي الوقت نفسه، كنت أحاول حل مشكلتي مع مشاعري تجاه فتى الحلم، أو بالأحرى: قصة الفتى. أذكر تلك الأيام التي كنت أطلق فيها ساقيَّ للريح، تحملني إلى أي مكان تريد حملي إليه. أخرج من عملي عصرًا، ولا أعود إلى البيت إلا في آخر اليوم. أمشي مسافات طويلة، أذهب وحدي إلى أماكن مألوفة أو جديدة. أمنحني الفرصة لأشعر بجسدي، ينتقل من مكان إلى آخر، يطأ الأرض، يتعرَّف عليها، فتردُّ له المعروف وتعرِّفه على نفسه، تعرِّفه بالألم، بالإرهاق، بالتعرُّق الغزير من شدة الحر، بالارتجاف من شدة البرد، بالاستمتاع بمداعبة النسيم العليل لشعري ووجناتي، بمعالجة انهياراتي العاطفية ونوبات البكاء المفاجئة.

سألني صديق منذ أشهر عن أبرز ما يشغلني، فقلت: «ربنا والفراغ»، حسبما أذكر، وعندما سألتني رضوى في وقت لاحق عن أكثر ما يجعلني تعيسة، قلت: «الفراغ العاطفي بكل تجلياته؛ غياب الله واليقين، أني لا أفهم، أنهم يزعمون أنهم يفهمون».

كنت أظن أن 2013 هي ذروة الصراع الوجودي الذي خضته، لكنه تصاعد في العام التالي، واقترب من الحسم. كان لا بد لي من البدء في فتح عينيَّ على آخرهما، لرؤية نفسي مثلما أنا حقيقة، لا كما أراد الناس أن يروني. كان لا بد من أن أواجه الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال. وأن أختبر مشاعر الرفض، وأتغلب عليها بتثقيف نفسي فكريًّا وعاطفيًّا. أن أصل للنتائج بنفسي، أن أجد التفسيرات المقنعة، وأن أخوض كل ذلك وحدي، بصحبة الكتابة والأخت الابنة والصديقة الأم والصديق الأخ، لكن وحدي، بشجاعة وثقة.

نعم، تعلَّمنا ألا نقول ما نفكر فيه كما نفكر فيه، وألا نكتبه، والأسوأ ألا نعيشه. نعيش حياتنا في قتال أنفسنا لإرغامها على الخيارات الآمنة، وليت الأمن يتحقق!

لا أزعم أنني تخليتُ تمامًا عن الخيارات الآمنة، لكنني سمحتُ لنفسي بالشعور بالخوف، بالقفز الذي لا أضمن أن أنتهي منه واقفة على قدميّ، لكنني أقبل المجازفة، وأتحمَّل نتائجها مقدَّمًا. كانت إحدى الضرائب، أن تضررت علاقتي ببعض فروع العائلة، ظللت أرتدي الحجاب في زياراتي لبعضهم، وأتجنب الرد على ما يلقيه بعضهم على مسامعي من نقد واضح أو مستتر. وكلما ظننت أنهم نسوا الأمر، واعتادوا الواقع الجديد، عادوا لعادتهم القديمة. فمثلًا، عندما ارتدت أختي الصغرى الحجاب مرة أخرى، قيل لي: «أختك الصغيرة عادت إلى عقلها وأنتِ …»، قاطعت أختي المتحدثة، وقالت لها إن هذا خياري، وذلك خيارها، ولبنى ليست صغيرة لتؤنَّب في شأن لا يخص أحدًا غيرها.

اليوم بادلته بعض الحديث، إلكترونيًّا مرة أخری للأسف. أنا شخصية بصرية حسية، لا يناسبها هذا النوع من التواصل شديد البرودة، حتی وإن أكثر الطرف الآخر من استعمال الابتسامات. ثم إن ابتسامته الحقيقية لا يعدلها شيء، علی الإطلاق. هل يمكن أن يحلم بي الفتی كما أحلم به؟ أن يكتب لي وعني كما أكتب له وعنه؟ أن يعرف أحدنا الآخر حقًّا؟

الظاهر أنه ليس أقاربي فقط هم من أرادوا استعادة الواقع القديم، فأنا أيضًا ظللت لفترة من الزمن، متشبثة بإمكانية أن يتحول حلمي بالفتى إلى حقيقة. التقيت به مرة في عرض للأفلام القصيرة، لقاءً شبه مدبَّر، إذ عرفت منه قبل العرض بساعات قليلة أنه من الممكن أن يكون هناك. سلَّمت عليه بعد انتهاء العرض، وفجأة تبخَّر. كان شخصًا مهذَّبًا وصادقًا ولم يحاول أن يستغل مشاعري نحوه ولا أن يلوِّح لي بأمل لا وجود له. كان طبيعيًّا وودودًا في المرتين اللتين قابلته فيهما في إطار العمل، وساعدني حين طلبت مساعدته في تنقيح كتاب كنت أحرره في أواخر 2014 لأهديه لإحدى صديقاتي. كنت ما زلت أقرأ له، ويقرأ لي، ويشارك كتبي الجديدة التي أتيحها على الإنترنت، وتوقَّف لبرهة في شارع طلعت حرب في أواخر 2017، فقط ليسلِّم عليّ، في حين كنت أنظر في هاتفي، ولم أكن لأنتبه لمروره لولا أنه نبَّهني.

بعد غد يكون قد مر شهران بالتمام علی ذلك اليوم الأسطوري. هل أخبرتك أن لدي مقاييس مركبة للفرح؟ يوم التقيتك أول مرة في معرض الكتاب كان أحدها، ويوم حفل توقيع كتاب الأبجدية في أرابيسك كان واحدًا آخر، يومان — بين أيام أخر — يحضرانني كلما ذكرت الفرح، يوم أحمد فاقهما، فاق.

ما زالت علاقة الصداقة التي تربطني بعدنان منذ عام 2009، مستمرة حتى اليوم. أعتز بصداقته، وبالدور الذي يلعبه كل منا في حياة الآخر، وجميع الفقرات المقتبسة منذ بداية هذه المقالة، مأخوذة من رسائلي إليه. نعم، يوم لقائي بعدنان في 2010، ويوم لقائي بأحمد في 2014، ويوم لقائي بمحمد في 2017؛ هذه الأيام هي أيامي الثلاثة المفضلة على الإطلاق.

يا للذي في السماء! كيف تغيِّر السماء مزاجها لمجرد أن فتی عبر في أحلامي وأنا نائمة! رأيته يصلي وحده بين أشخاص تناثروا يصلون وحدهم، يجمعهم اتفاق ضمني علی الصلاة. قطَّبتُ للحظة، ثم انفرجت أساريري حين حوَّل قِبلته باتجاهي للحظات، يتأملني بوجه خالٍ من الانفعالات وعينين تسجلان حضورهما في عيني … وأعود لأسألني: لماذا؟ ما تريدين منه؟ أنتِ لن تتوقفي عن الصراخ والركض إن هو اقترب. أنتِ لم تقتربي منه إلا لأنكِ تعرفين أنه لن يبادلكِ الخطوة بالخطوة، وكنتِ تؤمّلين أن يطردكِ، لكنه لم يفعل، فبقيتِ حبيسة الخطوة الواحدة باتجاه الشمس. إن تقدمتِ أكثر احترقتِ، وإن أطلتِ المُكث حيث أنتِ متِّ.

في النهاية، لم أعد حبيسة، تحررت من أسئلتي وهواجسي، عرفت؛ وضعت قدمي على أول سلم المعرفة، معرفتي بنفسي وبما أريده. صرت أعرف أن الحياة أوسع من الحلم، ومن دفن أنفسنا أحياء، وأن الأحلام ستظل مكونًا أصيلًا من مكوناتي، ورافدًا مهمًّا من روافد أشعاري، وألَّا تعارُض بين هذا، وبين النزول إلى أرض الواقع، وتأمل اتساع البحر والسماء في ليل يناير في الغردقة، والغرق، والطفو على سطح الأشياء، للحكم عليها من الخارج، قبل الانغماس فيها تمامًا.

لا بأس بالانغماس، فقط إذا كنا نعرف ما نحن بصدد الانغماس فيه.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (14): اختلاط الصداقة بالحب

«يا شمس، هل تعلم أني أكرهني عندما أكون غير متأكدة؟ بالطبع أنت لا تعلم. أنت …

تعليقات