الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (11): الفن والجسد والجمال

اكتشاف الجسد (11): الفن والجسد والجمال

لوحة متواضعة القيمة الجمالية، تحتل نصف صفحة في أحد الكتب الدراسية، يظهر فيها أولاد عراة لا يستر أجسادهم شيء. بدا للمراهِقة التي كنتُها أنها صورة فاضحة، تخدش الحياء وتثير الشهوة.

السؤال: هل كانت الصورة خادشة ومثيرة؟ اليوم أقطع بأنها لم تكن كذلك، ولم يكن يُفترض بها أن تكون. فما الذي كان يحدث قبل عشرين عامًا، وما الذي تغير؟

جزء من الإجابة تعرَّضتُ له في مقالات سابقة: بنت صغيرة في مجتمع مغلق، لديها اطلاع محدود على الحياة وحقائقها، ولديها في الوقت نفسه ثقافة ضيقة النظرة، تتحدث عما يجب وما لا يجب، بينما مجال التطبيق العملي لتلك الثقافة أكثر ضيقًا منها. لكن ذلك لا يفسر ما حدث عندما اتسع المجال. فلو أن أفكاري السابقة بهذا الجمود، لكانت استمرت في السيطرة على المشهد، ولكنتُ وجدت في حياة القاهرة الصاخبة، فرصة مثالية لتوزيع ملصقات الحلال والحرام هنا وهناك. لا أنكر أني عشتُ في العموم حالة من الرفض للواقع القاهري، لكن بجانب هذا الرفض، لم تتوقف عيني عن التطلع والبحث، ولم يتوقف عقلي عن المقارنة والتحليل.

«نظف عينيك!»، عبارة ما زالت عالقة بذهني، بالطريقة نفسها التي كان يؤديها بها الدكتور عاصم الجزار، أحد أساتذتي في الجامعة. كانت فكرته ببساطة تدور حول أن أعيننا اعتادت رؤية القبيح، إلى درجة عدم تمييز قبحه، وحلّ ذلك ليس أن يُقال لنا إن ما نعُده جميلًا ليس كذلك، والعكس بالعكس، ولكن أن نرى هذا وذاك بأنفسنا، وننتظر أن يطرد أحدهما الآخر.

نما فضولي البصري، وخضعت أفكاري وأحكامي السابقة للاختبار. انتقلتُ من استنكار القبلات السينمائية والتحسس منها، إلى البحث عن أشهرها وأحرها على اليوتيوب، وصولًا إلى إدراك أنها نوع من التواصل الحميم، الذي يمكنه — بعيدًا عن التنميط والمؤثرات البصرية والصوتية — أن يكون شديد العادية، أو شديد الاستثنائية، أو مجرد تمثيل بارد.

انتقلتُ من التعثر غير المقصود بمواقع البورنوغرافيا، إلى قصدي لها من وقت لآخر، وصولًا إلى تكوين تفضيلات بخصوصها، ورفض بعض أصنافها، والتحفظ على مدى أخلاقيتها، كصناعة تنطوي على انتهاكات وتجاوزات.

انتقلتُ من التوقف عند مفهوم العورة الجسدية، باعتبارها القبيح الذي يجب ستره وعدم الاطلاع عليه، إلى التعرف على جمال الجسد، وتعلم أن لستره أشكالًا وأسبابًا، ليس من بينها أنه قبيح، وأن لكشفه فنونًا وغايات، لا تقتصر على إثارة الفتنة. تعلمتُ أن الفتنة نفسها ليست عيبًا، وإنما العيب هو أن توضع في غير سياقها، أو أن يُتذرَّع بها لارتكاب أفعال غير أخلاقية، مثل التعدي على الآخرين أو استغلالهم أو الإساءة إليهم.

انتقلتُ من تبجيل كتاب «حكم التصوير في الإسلام» بغلافه الأصفر الفاقع، وبما شيده مؤلفه من أبراج شاهقة، حول حرمة تصوير ذوات الأرواح، إلى دعم أختي التي ظهرت موهبتها في الرسم مبكرًا، ولم تصور ذوات الأرواح فقط، بل كانت لتصاويرها روح خاصة ورهافة تميزها، وتجعل منها خلقًا فريدًا لا مجرد «محاكاة للخلق الإلهي».

خُضتُ رحلة طويلة نحو إدراك تنوع الجمال البشري وتقبّله وتذوقه. تفاوت ألوان البشرة، هو مجرد تفاوت للألوان، وليس للون أفضلية جمالية على الآخر. الأشكال والأوزان والأطوال والملامح، كلها صفات يقع الجزء الأكبر منها خارج دائرة تحكمنا. لا أحد — حتى اليوم — يستطيع أن يختار جيناته الوراثية، ولا أحد يستحق أن يُوصم بها، ولا أن يُقصى بها من خانة الجمال، فقط لأنها لا تُطابق المواصفات. من وضع المواصفات؟ من منا لا يرى الجمال في عيون من يحبهم أيًّا كان لونها أو رسمها أو كثافة رموشها؟

تغيرت ببطء — وما زالت تتغير — نظرتي إلى جسدي، التي لطالما كانت مكبلة بقيود لا أعلم مصدرها، ومحددة بشروط بدت محبطة وتعجيزية. أنا جميلة، فقط لو أفقد عشرين في المئة على الأقل من وزني. أنا جميلة، فقط لو تقلصت مساحة جبهتي وتماثل حاجباي. أنا جميلة، فقط لو لم يعُد شعر جسدي للنمو بشراسة، بعد كل مرة أزيله فيها. أنا جميلة، فقط لو كذا وكذا. في حين أني جميلة ولو لم يحدث أي من ذلك.

هذا الجسد الذي لم يكن موقفي منه واضحًا وإيجابيًّا على طول الخط، كانت اكتشافاتي الذاتية لإمكانات اللذة التي يمتلكها، مخيفة في البداية. لكنني كنت أتجاوز خوفي بسرعة أكبر، مع كل اكتشاف جديد، وأعمّق معرفتي به وبما يسُرُّه، دون خجل منه أو حكم عليه. أنا أملك نعمة عظيمة، أمتنّ لها وأقدّرها، وهي في المقابل تملأ عروقي بجمال يُحس ولا يُرى.

الحق أن الفضل الأول في تشكيل مزاجي الجديد فيما يخص الجسد والجمال، لا يعود للفن ولا للثقافة، ولكن لبيتي الذي قبِلني وأحبّني، وعلّمني كيف أقبَله وأحبّه، لأختيّ اللتين تصغرانني سنًّا، لكنهما تواكبانني وتسبقانني نضجًا ونموًّا، لأختي الصغرى بالذات، صاحبة أطيب حضن في العالم. أختي التي أذكر يوم أتت لتحكي لي — وكأنه الأمس — عن الولد الذي يذهب معها إلى الحضانة، وكيف أنه سألها أن يقبّلها. قلت لها:
– لا يا حبيبتي ما ينفعش.
– ليه؟
– عشان بابا واخواتنا بس اللي ينفع يبوسونا.

الطفلة التي سألتني عن حكم القبلة الطفولية البريئة، كبرت وكبرتُ معها، وفي الطريق علمتني الكثير عن الجمال والبراءة، وعن الحق في أن نقع في حبِّ أنفسنا، وفي أن نتفنن في ذلك، وفي أن نسأل «لماذا؟».

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (21): الجنسانية كحالة فضولية

«إذا كنتِ لا تحبين الموسيقى وليس لكِ صاحب تعاشرينه، فكيف إذن تستمتعين بحياتك؟» كان دال …

اترك تعليقاً