الرئيسية / رأي / اكتشاف الجسد (1): ما قبل البلوغ

اكتشاف الجسد (1): ما قبل البلوغ

الذكرى الأبعد المرتبطة بجسدي، تعود بي إلى شرفة المنزل الذي ولدت فيه. كنت دون الخامسة، عندما كنت أتسلل إلى ركن الشرفة الأيمن، الأبعد عن بابها، أجلس على البلاط، أضع إحدى دماي في حجري، وأخرج لها ثديي الصغير لأرضعها. لطالما تساءلت بيني وبين نفسي عما إذا كان أحد الجيران في شارعنا الضيق آنذاك قد أبصرني مرة وأنا أمارس هذا الفعل الحميمي المتشبه بالأمهات. أنا أملك ثديًا مثلهن، فلم لا يمكنني أن أرضع عرائسي الصغيرة مثلما يرضعن أطفالهن؟

لم أكن من الأطفال الذين يسألون «من أين أتيت يا ماما؟» ومن حسنات بيتنا أنه كان بمعزل عن التوتر المرتبط بالجنس والنوع الاجتماعي. كان بيتًا مستقرًّا إلى حد بعيد، فيما يتعلق بهذه الأمور. لم يتهدد مساحتي الخاصة يومًا أي أذى، وتعلمت أن للآخرين أيضًا مساحاتهم الشخصية التي عليَّ احترامها. صورة تبدو إيجابية حتى الآن.

في بدايات عام 1992 عندما أتممت عامي الخامس، أخذنا أبي معه إلى الخارج. في تلك الفترة كان حاصل تفاعلي الاجتماعي بصفتي أنثى صغيرة، عبارة عن قصة حب أسطورية من طرف واحد، جعلتني أبكي شوقًا وحسرة في الليالي الطويلة، طوال الثلث الأول من سنين الغربة، أي مدة ما يقارب خمس سنوات. كل ما كنت أعرفه هو أنني أحبه وأفتقده وأريد الزواج منه عندما أكبر، لأن ذلك ما يفعله الواقعون في الحب. هل كان يحبني؟ في ذاكرتي كان سحره قويًّا، كان ولدًا وسيمًا، دائمًا ما يرتدي قميصًا أبيض قصير الأكمام، يكبرني بثلاث سنوات، وهو أحد أطفال العائلة ذوي الحظوة عند أمي وخالاتي وجدتي، كلهن أحببنه، وأنا أيضًا، رغم أنه كان بعيدًا عني معظم الوقت، وثمة مسافة واضحة بين شلتي اللعب اللتين ينتمي إليهما كل منا، لكنها ليست مسافة كبيرة بما يكفي لإعاقة استراقي النظر إليه.

انتهى زخم القصة حين قررت الاعتراف بها لأمي ذات مساء، وسط بكاء مرير وخشية من أن تعنفني أمي، لكنها على العكس تمامًا، احتوت الأمر، وقالت لي أشياء لطيفة وهادئة ومهدئة، وتجعل الأمر بسيطًا ولا يستأهل كل هذه الدراما، من بينها: «وماذا في ذلك يا حبيبتي؟ لا بأس بأن تحبي ابن خالتك.»

التجربة العاطفية الأولى مرت بسلام، لكنني سأظل لعشر سنوات أخرى أعيش في ما يشبه منفى اجتماعيًّا، لا عائلة، لا أبناء خالة أقع في حبهم، لا نماذج رجالية، ولا نسائية، ولا إدراك فعلي طبيعي لطبيعة وجودي الجنسي الاجتماعي. لم يكن هناك إلا أسرة صغيرة مغروسة في الصحراء، والوالدان فيها هما النموذجان الأوحدان.

كان اكتشافي لجسدي هادئًا هو الآخر. أوليت ثديي في أثناء نموهما اهتمامًا كبيرًا، ممزوجًا بمحاولة إخفائهما عن أفراد أسرتي (مجتمعي الكامل)، وكانت خطيئة مراهقتي الكبرى عبارة عن رسمة بسيطة بالقلم الرصاص (أو الجاف، حسب ما يتوفر لي لحظة التخيُّل) تظهر جسدًا أنثويًّا عاريًا، بثديين كبيرين وأرداف ممتلئة، وسرة مغرية تتوسط ثنيات البطن الممتلئ هو الآخر. كنت مولعة بتكرار الرسمة نفسها عشرات المرات، ثم طمس معالمها أو تمزيقها قطعًا صغيرة لئلا يعثر عليها أحد فينفضح سري.

ربما رسمت مرة أو مرتين جسدًا رجوليًّا مجاورًا للجسد الأنثوي، يملك تضاريس أقل بروزًا، وعضوًا ذكريًّا سرياليًّا، لأني لم أكن أملك أدنى فكرة عن شكله، ولا أجد في نفسي فضولًا للتعرف عليه، ولا للتعرف على دوره في التفاعل الجنسي. الأمر نفسه الذي جعلني أعمد إلى تمثيل ذلك التفاعل بخطين متقطِّعين يخرج أحدهما من جذع الرجل الواقع إلى يميني، والآخر من جذع المرأة إلى يمينه، مع سهمين في آخر الخطين يشيران إلى طفل صغير عارٍ، يبدو أنه حصيلة لقائهما الجنسي السريالي. وبالطبع كان يجب عليَّ أن أمزق هذه الرسمة أيضًا، بعدما حصلت على حصتي من الإثارة.

من أين عرفت أن هناك تفاعلًا جنسيًّا مفترضًا؟! ثقافة عامة، دينية في معظمها. كانت الكتب والتسجيلات الدينية تحشو رأسي الصغير بالكثير عن افتتان الرجال بالنساء والعكس، وبما يحيط ذلك من ذنوب، ومن أحكام خاصة بالعفة والزواج والمواقعة الزوجية والزنى. كنت أتبنى أفكارًا دينية قطعية، تخص أشياء بشرية لا أعرف أي شيء عن بشريتها. تصورت في فترة ما أن كلمة السر هي «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» فتعرف المرأة أن الجماع يحدث الآن، عن بُعد، وقد يحدث الحمل، عن بُعد أيضًا. لم يقل أحد شيئًا عن التلامس وعن ماهية الأعضاء التي تتلامس، أو تتداخل. حتى عندما أخبرتني أمي بعد أن شرحت لي درس التكاثر الجنسي في الحيوانات، أن الأمر نفسه يحدث للبشر، لم أفهم من حديثها أن انتقال الحيوانات المنوية إلى البويضة يتطلب التحامًا من نوع ما، وكان الصادم أكثر بالنسبة لي هو أن النساء يلدن عبر فتحة صغيرة بين فتحتي البول والشرج، تتمدد بصورة مؤلمة، ليخرج منها المولود، وكنت أظن في السابق أن سرات بطونهن هي ما ينفتح وينغلق عند الولادة.

 

اقرأ أيضًا:

عن لبنى أحمد نور

لبنى أحمد نور
شاعرة ومحررة مصرية، مؤسسة مشروع «كتاب المئة تدوينة»، صدر لها: «عن وإلى الحلم لا يؤلم»، و«مزاج القبلة»، و«العذراء تقتل أطفالها».

شاهد أيضاً

اكتشاف الجسد (16): حكاية الفتى الحلم

هذه المحطة دون غيرها، أتشكك في قدرتي على الإحاطة بها من جميع أطرافها، فهي باتساع …

تعليقات