الرئيسية / رأي / هل يبين الكشف على فتحة الشرج ميول الإنسان الجنسية وممارساته؟
لقطة تمثيلية من فيلم "العساكر" - انتاج شبكة قنوات الجزيرة

هل يبين الكشف على فتحة الشرج ميول الإنسان الجنسية وممارساته؟

لقطة تمثيلية من فيلم "العساكر" - انتاج شبكة قنوات الجزيرة
لقطة تمثيلية من فيلم “العساكر” – انتاج شبكة قنوات الجزيرة
“لا مؤاخذة، يقولك وطي… كلام غريب يعني…( في خلفية المشهد جزء من موسيقى من نشيد الجيش: رسمنا على القلب وجه الوطن)… يعني عايز يعرف أنت راجل ولا مش راجل… تقلع كل حاجة علشان يشوف إذا كنت سوي جنسيا ولا حد مثلي… وده بيتم عن طريق المعاينة المباشرة يعني الدكتور ده بيشوف في اليوم طـ** (صافرة تحجب الكلمة) 500 بني آدم.”
هذا كلام يقوله شباب يرتدون قبعات على رؤوسهم تم تصويرهم بطريقة السلويت لإخفاء وجوههم، وتم تغيير أصواتهم وتعريفهم كمجندين في الجيش المصري يحكون عن تجربة الكشف الطبي المؤهل للخدمة العسكرية في فيلم “العساكر” من إنتاج  قناة “الجزيرة”.
الحقيقة سأترك كل الفيلم على جنب، المقال ليس لنقد الفيلم أو التعليق عليه، لكن للتعليق على هذا المقطع تحديدًا، لأنه يعكس واقعًا مصريًا وعربيًا متعلقًا برؤية وتعريف الرجل – الذكر – “الدكر”.
من هو الرجل؟  قاموس “المعاني” على الانترنت يقول: “رَجُل ( اسم ): الذَّكَر الْبَالِغ مِن بَنِي آدَم”، إذًا ندرك أن اللغة ترى الرجل هو الذكر ذو الأعضاء التناسلية الذكورية وبالغ، ولم يتحدث القاموس عن الميول الجنسية، وبالتالي الرجل يمكن أن يكون مثلي جنسيًا، وكذلك لم تتحدث عن سلوكيات أو طباع تجعل الرجل رجلا.
لكن الرجل في العرف هو الكثير من الأشياء والطباع والتراكيب، منها مثلا وهو ما يخصنا الآن أن الرجل هو من يشتهي النساء وفي كثير من السياقات أن يشتهي النساء بفظاظة، وأنا على المستوى الشخصي عايشت ذلك في المدرسة الحكومية المصرية التي كنت أدرس بها وكانت مدرسة مختلطة للغات، نوع من التعليم يسمى التعليم التجريبي، والكثير من الرجال المصريين الصغار في الإعدادي والثانوي يحبون الحديث عن الأثداء والأعضاء التناسلية للأنثى وعن انجذابهم للبنات ورغبتهم في ممارسة الجنس معهن أو التحرش بهن، وعندما كنت أقول أني غير مهتم بالحديث عن أثداء إحدى الزميلات كان السؤال الذي يوجه لي بشكل جاهز وسريع وحاسم “هو أنت مش رجل ولا ايه؟” وبالتالي أنا أمام خيارين؛ إما أن أتحدث عن أثداء زميلتنا ومؤخرتها وأحملق فيها، أو أن أتنازل عن الامتيازات العظيمة العميقة الجذرية لوجودي وسط عشيرة السباع والكواسر والرجال، ومن هنا يحولك المجتمع والثقافة السائدة لمتحرش، لأن المتحرش رجل ذكر “دكر” وكلمات أخرى لا يتسع المقام لذكرها هنا في ذلك الإطار.
وبعيدا عن المدرسة والأطفال و”العيال اللي بتتمرن على التحرش في الصغر”  لا أنسى موقفا جمعني بشاب مصري وشابين من دولة عربية شقيقة، وكان الثلاثة في مناصب مرموقة بمنظمات دولية وحكومات بلادهم وكانت أعمارهم في الثلاثينات وأنا كنت العشريني الوحيد بينهم، وكنا نشارك في حدث عالمي في عاصمة دولة أوروبية في شهر رمضان ودار الحديث نفسه ولكن وصبغة رمضانية تغلفه، “كيف يصوم الرجل وسط هذه الأثداء والمؤخرات الأوروبية!” ودار نقاش مصري عربي عميق ومفصل ودقيق عن أنه لهذا خلق الله الاستغفار، و”كل ما تشوف ثدي جميل قول سبحان الله تتحسبلك حسنة”، صرخت وسطهم “أنتم بتتكلموا جد؟ أنتم فعلا تشعرون بالإثارة الجنسية لمجرد مشاهدة امرأة في الشارع مما يمكن أن يؤدي لفقدانكم صيامكم؟”، وتولاني مواطني المصري بدعم من الزملاء العرب: “هو أنت يا أحمد بتعمل إيه لما تشوف ست نص صدرها باين وماشية في الشارع؟”.
رديت: “عادي إنسان ماشي في الشارع مالي بيها يا… مش المفروض الرجل يثار جنسيا بسبب امرأة ماشية في الشارع، مش من حق الرجل يشوف المرأة أنثى إلا إذا كان في علاقة بينهم”.
– يعني أنت مش بتتأثر جنسيا بالكرنفال اللي حوالينا ده؟
– لا
– طيب أنت محتاج تشوف دكتور يا أحمد.
وانتهى الحوار وحاول هذا الشاب اللطيف – المعتاد على السفر حول العالم بسبب عمله في مكان جزء من مهامه الدفاع عن حقوق المرأة وتمكين النساء- تجنب الحوار معي طوال الرحلة تقريبا لحين مراجعتي لطبيب لم ولن أذهب إليه، لأني مؤمن أن من يستثار من امرأة لا علاقة بينه وبينها سوى أنها مرت بجانبه في الشارع هو من يحتاج مراجعة إنسانيته.
وكل هذا الكلام مبني على كلمة: “يعني عايز يعرف أنت رجل ولا مش رجل” التي ذكرت في الفيلم، وبالتالي هذا الشاب والحقيقة الكثير من الشباب في مصر يتصورون أن الطبيب الذي يقوم بالكشف على فتحة الشرج وهو في الأغلب طبيب جراحة وليس طبيب جلدية وتناسلية كما يظهر الفيلم يقوم بذلك لإثبات أنهم “رجالة” بالمعنى السالف ذكره.
علميًا الكشف الشرجي لا يمكن من معرفة ما إذا كان الإنسان مثلي جنسيا أم لا، وما يمكن تحصيله من هذا الكشف هو معرفة وجود شرخ، بواسير أو أي مرض في هذه المنطقة، وأدلة ذلك على الانترنت كثيرة منها على سبيل المثال ورقة الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية  والتي توصي فيها بالتوقف عن إجراء هذا الفحص في لبنان للكشف عن الهوية الجنسية، لأنه ببساطة الكشف الشرجي لا يثبت الهوية الجنسية للإنسان، وأن فتحة شرج المثلي جنسيا لا يختلف شكلها عن المغاير جنسيا، بل إن بعض الكتب والمقالات تقول العكس، بأن الممارسة الجنسية الآمنة من فتحة الشرج تؤدي إلى تقوية عضلات الشرج وليس ارتخائها.
وبالتالي فرغم شيوع أن الكشف الذي يجري قبل دخول الجيش هو لمعرفة الميول الجنسية للشباب إلا ان هذا ليس واقعيا إلى حد كبير، وللكشف أغراض طبية أخرى لا يعني هذا الكلام بالضرورة أن كل الجهات الحكومية المصرية عندما تقوم بهذا الكشف لا يكون في حساباتها الكشف عن الهوية الجنسية.
على سبيل المثال في القضايا التي تسمى بقضايا “الفجور” تم توثيق استخدام الكشف الشرجي لإثبات الهوية الجنسية من قبل مصلحة الطب الشرعي، وهو ما يذكره كتاب الروائي والباحث رؤوف مسعد “إيثاكا” أنه حدث مع متهمي قضية “كوين بوت” الشهيرة، حيث ألقي القبض على 52 شاب في ملهى عائم على النيل عام 2001 ووصلت أحكام بعضهم لخمس سنوات نقلا عن تقارير منظمة “هيومان رايتس ووتش”، وجاء فيها:
أجرت هيومان رايتس ووتش مقابلة مع الدكتور فخر الدين صالح، كبير أطباء الطب الشرعي في مصر، ونائب كبير الأطباء الدكتور أيمن فودة، بشأن الفحوص المتعلقة بإثبات ممارسة الجنس المثلي أو عدم ممارسته، وقال لنا: “عندما تحتاج النيابة إلى التحقيق في قضية فجور، فنحن نوفر كشفا طبيا معروفا على مستوى العالم” وأكد الدكتور فخر الدين صالح أنّ “في هذه النوعية من الفحص هناك ستة معايير وضعها الفرنسي المرموق تاردييه”.
كان أوجست آمبورز تاردييه (1818 ـ 1879) طبيبا شرعيا، ونشر كتابه “دراسة طبية شرعية للانتهاكات الأخلاقية” عام 1857، وراج الكتاب رواجًا هائلاً، بفضل خليط من النبرة العلمية والمواضيع الإباحية، ووضع الكتاب خطوطًا إرشادية من أجل التحقيق في ثلاث جرائم: “الأفعال الفاضحة في الطريق العام، والاغتصاب، وأخيرا “اللواط بالأطفال واللواط”، واستخدم الكتاب المصطلحيْن على حدّ سواء للإشارة إلى الممارسة المثلية بين الراشدين من الذكور.
كان “اعتياد اللواط” ميلاً داخليًا سريًا، ولكن قدرة هذا الميل في إخفاء نفسه دفع تاردييه إلى البحث عن العلامات التي تسهّل التعرف عليه.. وكان تاردييه يعتقد أنّ “اللواطيين” لا بدّ أن يكونوا إمّا إيجابيين فقط أو سلبيين فقط، وبنى نظرية تقول إنّ هناك ستّ “علامات مميزة” لدى اللواطيين: “النمو الزائد للأرداف، تشوّه الشرج بحيث يأخذ شكل القمع، ارتخاء العضلة القابضة للشّرج، زوال الانثناءات والتعريجات والزيادات اللحمية حول محيط الشرج، الاتساع الشديد لفتحة الشرج، ووجود القرحات والبواسير والنواسير” ومن بين هذه العلامات، كانت “الشكل القمعي”، أي اتخاذ فتحة الشرج شكلا يشبه القمع.
وعندما يتذكر الأطباء اليوم معتقدات تاردييه حول آثار السلوك المثلي على ملامح البدن يرونها على أنها بلا قيمة طبية، وتقول د.لورنا مارتن أستاذة الطبّ الشرعيّ الجنائيّ بجامعة كيب تاون بجنوب إفريقيا إن نظرية تاردييه “شيء عجيب.. من مزبلة التاريخ”، وأضافت “لا يمكن أن نتعرف على الاختراق المتكرّر للشّرج؛ والحالة الوحيدة التي قد يفيد فيها الكشف (على الشرج) هي حالة الاختراق الحادّ للشرج بالغصب، حيث قد تظهر بعض الإصابات”، ولكن بعد مرور مائة وخمسين عامًا تظلّ نظريات تاردييه موجودة بمصر، وتشكل الأساس لعملية اختراق جسدي وحشية تمارس بشكل دوريّ.
حسب تقرير هيومان رايتس ووتش “الدوس على الكرامة” تم وقف الفحوص الشرجية بغرض التحقق من الهوية الجنسية في لبنان عام 2012، بعد حملة أطلقها نشطاء وصفت الفحوص بـ”فحوص العار”، مما حرك نقابة الأطباء بلبنان ومن ثم وزارة العدل لإصدار بيانات توجيهية تحظر استخدام الفحوص الشرجية القسرية.
وأخيرا نشرت جريدة “اندبندنت” الإنجليزية في فبراير 2015 تقريرا بعنوان “مصر مازالت تستخدم الكشوف الشرجية للتعرف على المثليين جنسيا وحبسهم” وعنوان فرعي “النشطاء يقولون أن الفحوص قائمة على نظرية غير مثبتة من 150 عاما”.
وفي سياق التقرير تذكر تصريحات يدلي بها د.ماجد لويس رئيس مصلحة الطب الشرعي في ذلك الوقت يقول فيها إن شكل فتحة الشرج يتغير ليصبح شبيها بمهبل الأنثى، ليأتي رد د.جول بالفسكي الأستاذ بجامعة كاليفورنيا المتخصص في سرطان الشرج بعد أن ضحك بسبب ما قاله د.ماجد لويس بأنه يجري الكشوف الطبية على الشرج للمرضى يوميا وعلى مدار 20 عاما لم يشاهد فتحة شرج تشبه المهبل.

 

عن أحمد حامد

أحمد حامد
مصور صحفي، وصانع أفلام

شاهد أيضاً

الكنز.. الحقيقية الاسطورية داخلنا

  يفُتتح الفيلم بجملة تنويهية تقول : أن هذا الفيلم مستلهم من الاسطوره لكنه غير …

تعليقات