الرئيسية / رأي / هل نحن في دولة من الأساس؟!

هل نحن في دولة من الأساس؟!

عمرو عاشور
لكل دولة حاكم ومؤسسات حكومية تعمل على خدمة المواطن وحمايته وحماية أراضيه وحدوده، ولكل دولة – أيضًا – دستورًا يشرع الحكم وينظم القوانين والعلاقات الداخلية والخارجية، ويهدف الجميع – الحاكم والمؤسسات والمواطن- لنهضة هذه الدولة والرفع من شأنها على كافة المستويات، هذه فكرة الدولة باختصار. ولكن يأتي بعض الحكام بما لا تشتهي الأوطان فيختارون سُبل أخري ويبتكرون طرق جديدة منها ما يدفع الأمم للأمام ومنها ما يجرها للخلف أو يخسف بها الأرض.
الحاكم… والحاكم في الأساس هو المدير لهذا الوطن غير أنه مدير غير مطلق الصلاحيات فهو يتحرك من خلال الدستور – الذي أقسم على الحفاظ عليه وعلى نصوصه – من جهة ومن جهة أخرى بما يمليه عليه وطنيته وخدمته لأبناء بلده الذين وثقوا فيه وتقبلوه لتولي شئونهم لثقتهم فيه وفي قدراته، لذا فمن الضروري أن يكون الحاكم أكثر قدرة على الإدارة وعلى الألتزام بالدستور وأكثر حرصًا على خدمة أبناء وطنه.. إذن فالحُكم مهمة وطنية في الأساس يتقدم لنيل منصبها من يري في نفسه تلك المقدرة للترشح لتولي أرفع منصب حكومي في البلد ألا وهو منصب “رئيس الجمهورية”..
يحصل الحاكم على منصبه بعد خطة واضحة يعمل على تحقيقها ويُساءل عن نتائجها.. فماذا لو انتهك هذا الحاكم الدستور وانقلب على نصوصه؟ وماذا لو فشل في إدارة الدولة؟ وأهان المواطن ولم يعمل على خدمته؟ فالحكام في الأصل إنسان، والإنسان قد يخطأ وقد يصيب، أما إذا كنت تظن أن الحكام مبعوث الآله على الأرض، أو أنه زعيم وقائد يدرك كل شيئ فأنت كمواطن في مأزق حقيقي، تبحث عمن يستعبدك لا من يدير شئونك!
ولكننا – وبعد ثورة عظيمة فعلا- لا نبحث عن أنصاف ألهة ولا زعماء وقادة ولكننا نفتش عن مسئول قادر على تحمل المسئولية ومواجهتها ومواجهة التحديات التي تقابله وتقابلنا. وفي الوقت نفسه يكون الحاكم مستعد للمحاسبة والمسألة في حالة فشله.
إنها وظيفة يا سادة من خلالها يحصل على راتبه وسلطته وحياته الكريمة. ولكن – وكما هو واضح جاليًا- نحن أمام نظام حكم لا يزال يعيش في عصوره القديمة، مؤمنًا أنه أعلم الجميع يمتلك الحكمة والادارة الرفيعة ويعرف مصلحة الوطن أكثر منا…
في البداية، أغرمتنا الظروف على اختيار حاكم لم يكن لديه أية برنامج انتخابي سوي محاربة الأرهاب بشخوصه وأفكاره المتطرفة، كانت تلك الحجة هى مجمل برنامجه الانتخابي، وكان لا بد للمواطن أن ينصاع له، وكيف لا؟ وهو – المواطن – لم يعد في مأمن على حياته أو مستقبله ومستقبل أبناؤه في ظل جماعات رفعت السلاح وتمسكت بالحكم وأوشكت على أحداث فتنة كبري… فهل حقق الحاكم شيئًا من برنامجه الوحيد؟ يكاد أن يكون العكس صحيحًا، فالأرهاب يتوغل يومًا بعد يوم، وشخوصه يخرجون من السجن الواحد تلو الآخر، ليحتل مكانهم المبدعين والمفكرين وأصحاب الأراء التنويرية!
أما عن حقوق المواطن فحدث ولا حرج، عاد جبروت الداخلية بشراسة الأعداء المنهزمين ليضرب بيد من فولاذ كل وطني أصيل، ويخطف قسرًا ويعذب بل ويقتل كل من استشعر فيه الوطنية، يكفي أن أقول لك أن هناك ما يزيد عن 500 شاب تم خطفهم وتعذيبهم وقتلهم في بعض الأحيان في حين نري المجرمين يحطون بينا في كل ناحية…
أما عن البرنامج الاقتصادي، بالطبع تذكر عجلة الانتاج التى دابت وتمزقت، فكل حاكم –خاصة في الدول التى تعاني من أزمات أقتصادية حادة- يضع خطة من أجل تجاوز المحنة، ولكن حاكمنا انتهج أسوء سياسة قد تتبعها الدول المحترمة، وهي سياسة جمع التبرعات – ولنا في صندوق تحيا مصر عظة-  والتسول الخارجي –  ولنا في المؤتمر الأقتصادي عبرة – ثم المشاريع الوهمية التى تأخذ ولا تعطي –  ولنا في تفريعة قناة السويس وقفة-  تلك سياسة لا ينتهجها إلا قليل الحيلة والحياء، من اتخذ من كرامته وكرامة دولته ليحصل على أموال ويا ليت أحدًا من المواطنين استفاد منها – ولنا في ارتفاع سعر الدولار مأساة – أما الدستور فهي صيحفة يلوحون بها وقت الحاجة – ولك أن تموت من الضحك أو البكاء حين تسمع أنهم رفضوا طلب إيطاليا لأنه يعارض الدستور المصري- أما قتل المواطنين دون حساب، وتصفيتهم في الشوارع وإلصاق التهم بهم دون دليل فهو أمر عادي جدًا وكأنه منصوص عليه في الدستور!
نحن أمام حاكم فشل بكل المقاييس، داخليا وخارجيا. فهل يساورك الشك في فساده – ولنا فيما حدث مع هشام جنينة آيه- فهل من مزيد؟ أجل! اليوم تُباع الأراضي المصرية علنًا، الشعوب تدفع دماءها من أجل الحفاظ على آراضيها وحدودها ونحن – ليس نحن، بل هو- يقدمها على طبق من ذهب من أجل المال… فأين تذهب كل تلك الأموال؟ وماذا يتوجب علينا فعله حين نعرف أن هناك موظف اتهمه من يراقبه ويحاسبه – الجهاز الأعلى للمحاسبات- بالفساد؟ وكيف نتعامل مع من يتركنا فريسة لدول كبري؟ من ينجدنا حين يتعامل الحاكم مع البلاد كأنها ملكية خاصة يتصرف فيها حسب أهوائه ومصالحه الشخصية غير المؤسسات الحكومية؟ ههههههه المؤسسات الحكومية يا لها من نكتة سخيفة.. دعنا ننظر للمؤسسات نظرة هي الأخري..
مؤسسات الدولة… وتنقسم المؤسسات إلى مؤسسات سيادة كالمخابرات والقضاء والنيابة وأخري للحفاظ على أمن المواطن كالجيش والداخلية وأخري مسئولة على تنمية المواطن ورعايته كالصحة والتعليم.. لو ذكرنا كل مؤسسة في نقطة واحدة فقط لاستشعرنا مدي الخزي الذي وصلنا إليه… فالقضاء شامخ كما تعلمون… من اخرج مبارك وحاشيته من السجن؟ من أدخل فاطمة ناعوت وأحمد ناجي وإسلام بحيري السجن؟ إن الشموخ صفة مكتسبة يطلقها الأخرين عليك من حسن تصرفاتك وحكمتك ونزاهتك، ولا يمكن أن تطلقها على نفسك ثم تجبرني على تصديقها ثم تسجني في حالة التشكك بها!
أما الداخلية فهي عصا الحاكم المستبد الباطش! هل لهذه الأسباب وجدت الداخلية؟ بالطبع لا، فالأمن من أجل الحماية وردع المجرمين واسترداد الحقوق، وهي سلطة تنفيذية… متي توجهت إلى قسم شرطة لاسترداد حقك فعاد لك؟ متي تعامل معك أمين شرطة على أنك كمواطن يعمل على خدمته باحترام وتقدير؟ متي شعرت أنك مواطن من الأساس؟! ومتي تم اختيار المسئولون عنا بشكل صحيح؟ دعنا نقول وبكل أريحية أن مؤسسات الدولة أصابها العتة والتخبط والمنفعة! فهل هذه المؤسسات هي التى يمكن أن نعتمد عليها في استقامة الأمور، ومحاكمة الفاسدة؟ هل هذه المؤسسات يعول عليها في بناء وطن كان يحلم بالريادة والتنمية والمستقبل؟ وعلى من نعول إذن للخروج من تلك الكارثة؟ لم يبقَ لنا سوي المواطن.
 المواطن.. كنا نقول أن معادلة الدولة كالتالي حكام/مؤسسات/مواطن، ولكنها معادلة غير صحيحة وكي تصبح المعادلة صحيحة فيجب أن تكون مواطن/مؤسسات/حاكم… فالمواطن هو الأصل، وهو صاحب المسئولية الأولي عن اختيار الحاكم ومتابعة وظيفته وتقيمه وعزله إذا لزم الأمر… المواطن الذي قرر في لحظة ما، بل أصر على عزل حاكمه القديم –مبارك وآل مبارك وحاشيته- والذي كان يرج الميادين بهتافه “مش هنمشي، هو يمشي” هو نفسه الذي أتي بمرسي وآل مرسي وجماعته، وهو نفسه –أيضًا- الذي ثار على مرسي وجماعته..
هل تدرك مدي قوتك كمواطن قادر على تغيير الأمور؟ حسنًا، هذا سيئ! لقد فقدت إيمانك بحلمك ثم بنفسك ثم بوطنك، ونسيت أنك الجزء الأعظم والأهم في تلك المعادلة، أجل، أنت كمواطن شريك فيما يدور، وأنت أيضًا من يدفع الثمن ويحاسب على اختياراته. فلماذا تقف كمواطن مكتوف الأيدي تتابع وطنك وهو ينهار دون أن تفعل شيئًا؟ وإلى متى سيظل الآفيه والتهريج هما سلاحك الوحيد الذي لا يؤثر في أحد غيرك، ويجعل من قضاياك الكبري مجرد نكتة عابرة تتداولها صفحات الفيس بوك؟ قبل أن تتهم أحد بالخيانة انظر في مرآتك وقل “أنا الخائن عديم الوطنية” أكد على تلك المقولة وقل: “هذا ما أنا عليه الآن”! وتذكر أنك كنت تملك حلم لك ولأبناءك وكنت على استعداد تام لأن تموت في سبيل الحلم، وأنك انتصرت على داخلية العادلي وميليشات خيرت الشاطر دون سلاح، وأن إيمانك بما تريده كان سلاحك الأقوي الذي رضخ له الجميع… وأنك لا تزال قادرًا على الحلم، قادرًا على تحقيقه. ولكنك تنتهج اليوم المقاومة الأسوأ فليس بالنكات والقفشات تتقدم الأمم وتتغير إنما بالتخطيط الجاد والاحساس بالمشاكل والبحث عن حلها، ولنفترض – ولماذا نفترض؟- أنت فعليا في دولة اللا دولة! تريد أن تبني دولتك وتسترد كرامتك وتخطط لمستقبلك ومستقبلك أبناءك فعليك وحدك أن تقوم بذلك لأن العول على حكومة متخبطة ركبتها الحماقة والفساد لن يفيدك في شيء، بالعكس، سيقتل أنباءك وذاويك كل يوم، وسيجسن كل منه له أفكار تنويرية وسيباع وطنك بالقطعة، وسيتم تبديد حلمك، أنت الأمل الأخير والباقي فعليك أن تدافع عن نفسك وعن كرامتك وكرامة دولتك وأن تترك سلاح التهريج والنكات وتقف أمام مرآتك وتردد “أنا لستُ بخائن ولا عديم الوطنية، أنا قادر على الحلم وقادر على تحقيقه، هذا أنا”..

عن عمرو عاشور

عمرو عاشور
كاتب

شاهد أيضاً

بروكس كان هنا.. في مصر!

“Brooks was here” كانت تلك الكلمات آخر ما نقشه بروكس قبل أن يشنق نفسه في …

اترك تعليقاً