الرئيسية / رأي / بيتر الصغيران يكتب: نجيب الريحاني وشخصية مصر 

بيتر الصغيران يكتب: نجيب الريحاني وشخصية مصر 

عندما نقرأ كتاب شخصية مصر لجمال حمدان نفهم منه؛ أن الشخصية المصرية ما هى إلا هذا الخليط ما بين الألم والسخرية، ما بين الثورة والهدوء، هى شخصية التي يطلق عليها ما بين بين، ولكن يغلب على المصري السكون النابع من التفافه حول النيل، والزراعة التي تحتاج إلي صبر وانتظار.

شكل “نجيب الريحاني” -وهو من رواد السينما المصرية والعربية- هذا الخليط العجيب من كل الأشياء السابق ذكرها، حتى أنه قدم نموذجًا للشخصية المصرية بالسينما بكل دقة ومنطقية، متفوقًا على “علي الكسار” -والذي بينهما منافسة قوية بالمسرح خصوصًا- وهو من قدم نموذجًا ونمطًا وحيدًا وهو الفقر أيضًا، لكن بلكنة مضحكة، مركزًا على ما يثير الضحك أكثر من أفكار أخرى مثل ترسيخ الشخصية المصرية بالسينما.

 

جاءت شخصية “الريحاني” التي غلب عليها المآسي في أفلام تحمل طموحًا لرجل يسعى نحو الأفضل؛ فنجده في “سلامة في خير”، و”سي عمر” و”لعبة الست”، و”أبو حلموس”، و”أحمر شفايف”، و”عزل البنات”، ومن خلال شخصية أستاذ “حمام” صور مأساة التعليم المصري، وأبرز فكرة التلقين والحفظ، في الوقت الذي كان ينادي فيه “طه حسين” بالحق في التعليم، مرددًا مقولته “التعليم كالماء و الهواء و ليس مجرد معلم و طالب”.

 

ويعود الفضل في ذلك أيضا إلى المخرج و المنتج و الممثل العبقري -سوري الأصل- “أنور وجدي”.

اختار “الريحاني” النموذج الأكثر قربًا واقترابًا من طبيعة وشخصية المصري، وهي شخصية البائس في الحياة الباحث عن فرصة واحدة لإثبات الذات، وبكل تأكيد سبقه في ذلك “شارلي شابلن” في شخصية المتشرد الصعلوك، ومثل شخصية الرجل الغربي ما قبل الحرب، وما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، ذلك الضائع الذي يحاول توفيق أوضاعه المالية والاقتصادية، بينما يتعذب و يحب و يتزوج.

ولذلك فطن “الريحاني” إلى سيطرة وتحكم رأس المال على السواد الأعظم من الشعب المصري، وتحدى السلطة الحاكمة في هذا التوقيت؛ ليقدم أعماله وكأنها السم في العسل، حتى يظهر بوضوح هذا الفقر المتجسد بالمجتمع، فصارت السينما أداة لفضح الطبقة الحاكمة والحاشية، واخترق عالم الأغنياء بالنقد اللاذع، والسخرية من الأوضاع خصوصًا بآخر عشرة سنوات من حياته، وظهور مدى قدرة السينما على الوصول إلي قطاع كبير من الشعب، فهى مرآة الشعوب التي تصور تردي الأوضاع، بالرغم من أن الاقتصاد المصري كان في تلك الفترة قويًا نسبيًا، إلا أن كان الفقر يلتهم أجساد الفقراء، وسيطرت عليه الرشوة والفساد و المحسوبية وكل تلك المظاهر تجسدت في أفلام الريحاني مع رفيق عمره “بديع خيري”.

هكذا رسخ الريحاني بأفلامه مفهوم كيف تعيش وتتعايش مع الظروف، مرة تسخر منها ومرة أخرى تبكي، فهو الضاحك الباكي كمعظم أبناء الشعب المصري والأغرب أن اللقب هو الضاحك أولا ثم الباكي لأننا نسخر من المأساة أولا ثم نبكي.

 

الغريب في الأمر أن “الريحاني” كان من أصول عراقية، ولكن مصر صهرت كل هذا و مصرت كل شىء فيه حتى ملامحه صارت كملامح أى رجل عادي بسيط .

 

عن بيتر ماهر الصغيران

بيتر ماهر الصغيران
كاتب قصص قصيرة و روائي و شاعر
تعليقات